Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ القدر الذي يوصى به من المال

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢٦٢/ ٩

القدر الذي يوصى به من المال

قال رحمه الله تعالى: [أن يوصي بالخمس، ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي، ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت فتصح تنفيذاً].

قوله: (أن يوصي بالخمس): إذا كانت الوصية مسنونة، ومستحب للإنسان أن يوصي، فما هو القدر الذي يوصي به؟ من حيث الأصل: فإن الإجماع قائم على أنه لا يجوز للشخص أن يوصي فوق الثلث؛ لثبوت السنة عن النبي ﷺ أنه لا يُوصَى فوق الثلث، كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، فإنه لما مرض بمكة، ودخل عليه النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إني لا وارث لي إلا ابنة -أي: ليس لي وارث إلا ابنة واحدة- وعندي مال كثير، أفأوصِي بمالي كله؟ قال: لا، قال: أفأوصي بثلثيه؟ قال: لا.

قال: فبنصفه؟ قال: لا.

قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).

ثم قال له قولته المشهورة: (اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، لعلك أن تخلَّف فينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون)، فقد كان سعد يظن أن أجله قد حضر، فقال له النبي ﷺ: (اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً) فاستُجيبت دعوته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فشفي سعد، ثم قال: (لعلك أن تخلَّف فينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون)، فرفع لواء الجهاد في سبيل الله؛ فأعلى الله به كلمته، وكبت به أعداءه، وكان على يديه من الفتوح والخيرات على الإسلام والمسلمين ما الله به عليم، نسأل الله العظيم أن يجزيه بخير الجزاء وأعظمه وأسناه، فقال له النبي ﷺ: (لعلك أن تعمَّر -فمُد له في عمره ﵁ وأرضاه- فينتفع بك أقوام، ويُضر بك آخرون).

ثم قال: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم خاسرين، لكن البائس سعد بن خولة) يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة.

وهذا الحديث المشهور قد اشتمل على بعض معجزات النبي ﷺ وجملة من المسائل والأحكام، منها: مسألة الوصية، فإنه يعتبر قاعدة عند العلماء في باب الوصية.

ولذلك قال له: (الثلث والثلث كثير)، فلما قال: (أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا)، وهذا يقتضي التحريم والمنع، فلما قال: (بالثلثين؟ قال: لا)، وهذا يقتضي التحريم ومنع الوصية بالثلثين.

(فبنصفه؟ قال: لا)، وهذا يقتضي التحريم والمنع أيضاً، ثم قال له: (بالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير)، فسن ﵊ الثلث من حيث الحد الأعلى.

فاتفق العلماء ﵏ على أنه لا يجوز للموصِي أن يجاوز الثلث، ولذلك قال ﷺ: (إن الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم زيادةً في أعمالكم)، فهذه رحمة من الله ﷿ بالإنسان أنه يتصدق ويوصي في حدود الثلث ولا يزيد، فيصل رحمه، ويكون له من الأجر والخير في تلك الصلة، فيتدارك بعض الأعمال الصالحة، ولا يزيد على الثلث.

لكن

السؤال

هل يوصي بالثلث كاملاً أو يُنقص من الثلث؟ وإذا أنقص من الثلث فهل يقارب الثلث أو يبتعد عن الثلث؟ لكل ذلك تفصيل عند العلماء، فمن أهل العلم من قال: يوصي بالثلث؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم)، ولذلك قال عمر ﵁ فيما رواه عنه البيهقي: (الثلث وسط، لا نقص فيه ولا شطط).

فقول عمر ﵁: (الثلث وسط لا نقص فيه)؛ بحيث إن الإنسان عندما ينقص من الثلث تقل حسناته وأجره، وقوله ﵁: (ولا شطط)؛ لأنه ليس فيه تضييق على الورثة؛ فقد ترك للورثة ثلثي ماله؛ فحينئذٍ كان عدلاً.

وقال بعض العلماء: إنه يغض من الثلث، أي: يُنقص منه ولا يبلغ الثلث على الأفضل، وكلهم متفقون على جواز الوصية بالثلث، فإن حديث رسول الله ﷺ يدل على أنها ماضية وصيته؛ لكن الإشكال: هل الأفضل أن تستغرق الثلث كاملاً فتتصدق وتعمل الأعمال الصالحة وتبقى لك صدقات جارية بعد موتك، أم أن الأفضل أن تحد وتنقص من الثلث؟ قلنا: إن بعض السلف يرى أنه يستغرق الثلث، فيتدارك به الأعمال الصالحة، وقد تبقى أشياء، مثل: أن يحفر آباراً، وقد يبني مساجد، وقد يشيِّد أربطة ينتفع بها الفقراء والضعفاء، فتبقى له حسنات جارية من بعد موته، وهذا لا شك أن فيه تداركاً لكثير من الخير، وقال بعض السلف: لا يصل إلى الثلث.

قال ابن عباس ﵄: (لو أن الناس غضوا من الثلث، فإن رسول الله ﷺ يقول: (الثلث والثلث كثير)، فقوله: (لو أن الناس غضوا) أي: لا يصلون إلى الثلث، بل يغضون منه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (الثلث والثلث كثير).

ومذهب أبي بكر وعلي ﵄ وطائفة من الصحابة أن المستحب هو الخمس، ولذلك وصَّى أبو بكر ﵁ -مع أنه كان له مال- بخمس ماله، وقال في وصيته المشهورة: (إني رضيت بما رضي الله لنفسه) يقصد قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، فقال: (رضيت بما رضي الله لنفسه)، وهو الخمس، فجعل الوصية في الخمس.

وكذلك علي ﵁ قال: (من أوصى بالسدس أحب إليّ من الربع، ومن أوصى بالربع أحب إليّ ممن أوصى بالثلث)، وهم يريدون من ذلك أن يكون للورثة الحظ الأكثر.

قالوا: لأن النبي ﷺ علل منعه لـ سعد بقوله: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)، فهم يرون أن المال الذي يُترك للورثة فيه صدقة على الورثة، والصدقة على القريب أعظم أجراً من الصدقة على الغريب، وعلى هذا قالوا: إنَّه يفضل ألا يبلغ الثلث، وألا يصل إلى الثلث؛ مع أن النبي ﷺ قال: (الثلث والثلث كثير).