شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
اختلاف العلماء في حكم الوصية
قال ﵀: [يسن لمن ترك خيراً].
الخير: هو المال الكثير كما فسره المصنف ﵀.
وقوله: (المال) لا يشترط السيولة، إنما المال كل شيء له قيمة، فلو لم يترك نقوداً، وإنما ترك (عمائر)، فلو ترك عشر عمائر فهي مال، وإن لم يترك أي ريال في محفظته أو في رصيده، فهو يُعتبر ممن ترك خيراً، فلا يشترط أن تكون هناك سيولة بالنقد، إنما العبرة بقيمة المال؛ سواءً كان من الأعيان أو من غيرها.
فقوله: (يسن لمن ترك خيراً) أي: من بعد وفاته، ولذلك العبرة بما يكون في حال مرض الموت ويغلب على ظنه أنه يموت فيه، فلو أنه وصى وهو غني ميسور، ثم أصابته أمراض، أو جاءت كربات أو نكبات على أمواله فخسر؛ فالعبرة بحاله عند مرض الموت لا عندما كتب الوصية.
وقوله: (لمن ترك خيراً) أي: ينظر في حال مرضه للموت ودنو الأجل، فلو كتب وصيته قبل موته بسنة أو قبل موته بشهور، فإن هذا لا يُعتد به؛ لأن العبرة بحاله عند موته، أو بما هو قريب من موته؛ وذلك لأن هذا سيؤثر على مصالح الورثة، والعبرة في المال الكثير والخير الكثير بما يكون سابقاً للأجل لا بما قبل ذلك، فالورثة ماذا يستفيدون لو كان قبل وفاته بسنة عنده ملايين الأموال، ولما حضرته المنية لم يكن عنده إلا يسير من المال؛ فالعبرة بما يؤول إليه الأمر وينتهي إليه الحال، فقوله ﵀ (لمن ترك خيراً) أي: بعد وفاته، وغلب على ظنه أنه سيكون بعد وفاته.
والخير كما قال: (المال الكثير) وهذا تأسٍ بالكتاب؛ لأن الله نص على الوصية وألزم بها إذا ترك خيراً.
وقوله ﵀: (يسن) فيه رد على من يقول: إن الوصية واجبة، فقد ذهب بعض السلف كـ الزهري وأبي مجلد رحمة الله عليهما إلى أن الوصية واجبة، سواءً كان الإنسان عليه حقوق أو لم تكن عليه حقوق، فيجب عليه أن يوصي، والأصل أنهم استدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:١٨٠]، و (كُتِبَ) بمعنى: فُرِض، وهذا القول عارضه قول جمهور العلماء ﵏ من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
وهو قول طائفة من السلف كـ إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهم من الأئمة -رحمة الله على الجميع- بأن الوصية ليست بواجبة من حيث الأصل.
وهناك قول ثالث في المسألة يقول: الوصية واجبة لأقربائك الذين لا يرثون، وهذا هو قول الظاهرية، وهو قول بعض السلف كـ مسروق صاحب عبد الله بن مسعود ﵁ ورحم الله الجميع، وكذلك قال به طاوس بن كيسان وقتادة من تلامذة ابن عباس ﵄، يقولون: إن الوصية واجبة للقريب الذي لا يرث، فمن كان عنده قريب لا يرث فيجب أن يكتب في وصيته له شيئاً، ويرون أن الآية منسوخة بالنسبة للوارثين، وتبقى محكمة في غير الوارث: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] قالوا: (كُتِبَ) بمعنى: فُرِض، فنسخ الله ذلك في أهل المواريث، فبقي الأقرباء الذين لا يرثون؛ فيجب عليك أن توصي لهم.
والصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو: أن الوصية ليست بواجبة، والدليل على ذلك حديث ابن عباس الصحيح، وفيه أن النبي ﷺ قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)، وقد اختلف في الجملة الأولى هل هي مدرجة أو من كلامه ﷺ؟ فقوله ﵊: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) يدل من حيث الأصل على أن آية المواريث التي نزلت في سورة النساء وغيرها قد نسخت فرضيّة الوصية، فلم تكن هناك مواريث في أول الإسلام، وإنما الشخص يُوصِي ويكتب: أعطوا فلاناً، وأعطوا فلانة، فيتولى قسمة تركته قبل موته، ولكن الله ﷾ تولى قسمة المواريث من فوق سبع سماوات: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، والكلالة: هي أن يموت الرجل وليس له والد ولا مولود، قال الناظم: ويسألونك عن الكلالة هي انقطاع النسل لا محالة لا والد يبقى ولا مولود انقطع الآباء والجدود فاستفتَوا رسول الله ﷺ فيها، فقال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، فتولى جبار السموات والأرض قسمتها من فوق سبع سماوات قسمة العدل، فأعطى كل ذي حقه.
فإذا كانت النصوص في كتاب الله وسنة النبي ﷺ قد قسمت الحقوق، وأعطت كل ذي حق حقه؛ فحينئذٍ ليس من حق أحد أن يقول: إن هناك من الأقارب من له حق يجب عليك أن توصي له؛ لأنه لو كان هناك لبيّن الله تعالى كيف يُقسم للأقارب الذين لا يرثون، وبناءً على ذلك: فلا يُعتبر القول بأنها محكمة في الأقارب الذين لا يرثون صحيحاً من هذا الوجه.
والذي يترجح: أن الوصية ليست بواجبة عليك إلا في الأحوال التي يتوقف عليها أداء حق الله ﷿، أو إيصال حقوق الناس إليهم، على التفصيل الذي ذكرناه، وهذا القول هو قول الجمهور بقوة دليل السنة، على أن آية الوصية منسوخة وليست بمحكمة.
ومما يقوي هذا: أن النبي ﷺ قال في حديث ابن عمر في الصحيحين: (ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه)، فهذا يدل على أن الوصية لو كانت واجبة لسكت النبي ﷺ، وترك آية الوصية دالة على اللزوم؛ لكنه لما بين أن الوصية تكون واجبة في مثل هذه الحالة؛ دل على أن الأصل عدم وجوبها، وعلى هذا قال المصنف ﵀: (يسن لمن ترك): أي للشخص الذي ترك، سواءً كان رجلاً أو امرأة، وسيأتي من هو الذي يوصي، وما هي الشروط المعتبرة في الأوصياء.