شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
الوقف عند الصحابة ﵃
وقد وقع الوقف من أصحاب النبي ﷺ كما ذكرنا عن عمر بن الخطاب ﵁، وجاء كذلك عن عثمان بن عفان ﵁ أنه أوقف بئر رومة، فلما فعل ذلك أقره النبي ﷺ، بل ندب إلى ذلك، وقال: من يشتريها وله الجنة، فاشتراها عثمان ﵁ وأرضاه وجعلها صدقة على المسلمين.
وكذلك أيضاً أوقف الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه على ذرِّيته، وكانت له أموال كثيرة، فأوقف جملة من أمواله حتى جاء في بعض الآثار أنه أوقفها على بناته، وخص الإناث دون الذكور، وهو وجه لبعض أهل العلم ﵏، ووجهه أن الرجل ربما يخشى على بناته من بعده الطلاق والضيعة، والرجل يستطيع أن يأوي إلى أي مكان، ولكن البنت لا تستطيع، فلذلك أجاز بعض العلماء -كما سيأتينا في مسائل الوقف- أن يَخُص بعض ذريته كالإناث، فيقول مثلاً: بيتي للمطلقة أو الأرملة من بناتي، وقد أثر ذلك عن الزبير بن العوام ﵁، وهو قول اختاره طائفة من أهل العلم ﵏، فهذا صحابي جليل قد أوقف، حتى قال جابر ﵁ وأرضاه كما في الرواية عنه: (ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذو مقدِرة إلا أوقف في سبيل الخير).
وهذا يدل على فضل أصحاب رسول الله ﷺ، وحبهم للخير وحرصهم على الآخرة، ولذلك آثروا الآخرة على الدنيا، وهذا هو شأن الحكيم العاقل الموفق، فإن الله ﷿ إذا وهب العبد النعمة، وأراد أن يتمم له بركتها وخيرها وجه صرفه إياها إلى ما ينفعه في الآخرة، وسلطه على إهلاك ذلك المال في الحق وسُبُل الخير كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (إنما الدنيا لأربعة نفر) وذكر منهم: من أعطاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق.
يعني: سلطه على إهلاك المال في طاعة الله ﷿ ومرضاته.