Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ أدلة مشروعية الجعالة

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢٤٣/ ٣

أدلة مشروعية الجعالة

والأصل في مشروعية الجُعالة: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أقرها وأذن بها، واستحل أخذ الجعل بذلك.

ومن أهل العلم من يقول: إن مشروعيتها ثبتت بدليل الكتاب، وهذه المسألة مبنية على مسألة أصولية تقدمت الإشارة إليها غير مرة، وهي: هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فقد جاء عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢].

فجعل ﵊ حمل البعير جعلاً، وحمل البعير معروف بالعرف؛ لأن البعير يحمل وسقاً كاملاً من التمر، وهو ستون صاعاً، فقال: من جاء بصواع الملك المفقود الضائع فنعطيه هذا القدر وهو ستون صاعاً.

فهذا الفعل من يوسف ﵇ قصه الله ﷿ في كتابه، ولم يرد في شريعتنا ما يخالفه، فدل على أنه يجوز للإنسان إذا ضاع له شيء أو هرب منه شيء أو أعجزه فتح شيء أو نحو ذلك أن يجعل الجعل لمن يقوم به.

وأما دليل السنة: فإن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: (أن طائفة من أصحاب النبي ﷺ خرجوا في سفرة سافروها، فمروا على حي من أحياء العرب وسألوهم أن يضيفوهم، فامتنعوا وبخلوا عليهم، فشاء الله ﷿ أن لُدغ سيد الحي، فلما لدغ ما تركوا شيئاً إلا فعلوه لعلاجه فلم يفده شيئاً، فقال بعضهم لبعض: إن هؤلاء الذين نزلوا عليكم قد يكون عندهم شيء، فلو سألتموهم، فجاءوا إلى أصحاب النبي ﷺ وقالوا لهم: إن سيدنا قد لدغ وما تركنا من شيء إلا فعلناه، فلم يفده في شيء، فهل عندكم من شيء؟ وكان فيهم راق، فقال: إننا قد استضفناكم فلم تضيفونا، فوالله لا أرقي لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فقام ﵁ ورقاه بفاتحة الكتاب، فشفاه الله ﷿، وقام الرجل كأنما نشط من عقال، ليس فيه منقلبة -يعني: لم يتغير به حال- صحيحاً كأن لم يصبه سوء، فأعطوهم الجُعل كاملاً ووفوا لهم، فلما أرادوا أن يقسموا الجعل، قال بعضهم لبعض: حتى نأتي رسول الله ﷺ، وكرهوا ذلك، وأتوا إلى رسول الله ﷺ فقال: اقسموا واضربوا لي معكم بسهم)، وفي رواية: (وما يدريك أنها رقية، خذوا القطيع واضربوا لي معكم بسهم، وضحك ﵊.

ووجه الدلالة: أن الصحابة رضوان الله عليهم أخذوا الجعل على معالجة هذا الرجل وشفائه بإذن الله ﷿، فأقرهم النبي ﷺ على أخذ الجعل على الرقية.

وقد تفرعت على هذا الحديث مسألة الرقية التي سننبه عليها -إن شاء الله تعالى- بعد بيان مشروعية الجعل.

الدليل الثاني: حديث ابن عباس ﵄: (أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ نزلوا على ماء، ولما نزلوا إذا برجل قد لدغ إما من حية أو من عقرب، فسألهم سائل وقال: إن بالماء رجلاً لدغ، فهل عندكم من شيء؟ فقام رجل فرقاه بفاتحة الكتاب فشفاه الله ﷿ فأعطوه شاء، فلما أخذ الشاء وجاء إلى الصحابة غضبوا عليه وقالوا له: أخذت على كتاب الله أجراً! أخذت على كتاب الله أجراً! وما زالوا به حتى أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنه قد أخذ على كتاب الله أجراً، فقص على رسول الله ﷺ القصة، فقال ﵊: إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).

فهذا الحديث يدل على مشروعية أخذ الجعل، وقد أذن النبي ﷺ للصحابة أن يأخذوا الغنم والشاء لقاء شفاء اللديغ.

كذلك حديث خارجة بن الصلد عن عمه ﵁ وأرضاه، وهو من بني تميم وقد واختلفوا في اسمه فقيل: عبد الله بن عثير، وقيل غير ذلك، وهو من بني تميم، أنه (أتى إلى رسول الله ﷺ، فلما فرغ من الوفاد على رسول الله ﷺ سافر، فنزل على موضع، فإذا فيه رجل مجنون مكبل بالحديد، فقال له أهل ذلك الحي: إنكم أتيتيم من عند هذا الرجل الذي جعل الله الخير على يده، فهل عندكم من شيء لهذا المريض؟ فقام ﵁ وأرضاه ورقاه ثلاثة أيام، وكان يرقيه بالفاتحة مرتين في اليوم، يجمع بريقه ويتفل عليه ﵁ وأرضاه، فلما كان اليوم الثالث شفي الرجل؛ فأعطوه جعلاً، ومضى ﵁ إلى رسول الله ﷺ وأتاه، فقال ﵊: خذه، وأذن له بأخذه، وقال: لعمري من أخذ برقية باطل فلقد أخذت برقية حق).

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وبعض أصحاب السنن.

فجميع هذه الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ هي أصل عند أهل العلم في مشروعية أخذ الجعل إذا استعصى عليك شيء وصعب عليك أن تستأجر؛ لأن الفرق بين الجعل والإجارة: أن الإجارة تكلفك كثيراً، فلو جئت تستأجر شخصاً للبحث عن سيارتك الضائعة لكلفك كثيراً، فمن سماحة الشريعة أنك تجعل له مالاً على إحضار الشيء المفقود، أو الضائع، أو التائه، ثم بعد ذلك يقوم هذا الشخص بالبحث والتحري حتى يجده، فلا تتحمل بذلك المشقة والعناء خاصة من حيث الكلفة، وفي هذا رفق عظيم بالناس، وتيسير لهم في شرع الله ﵎.

أما من حيث الإجماع فقد أجمع العلماء ﵏ على مشروعية الجُعل، وأنه مأذون به شرعاً.

وأما بالنسبة للعقل: فإن الحاجة داعية إلى وجود الجعل؛ لأن الناس تحصل لهم الظروف من ضياع الأشياء وسقوطها والإهمال في حفظها إلى درجة يحصل بها شيء من فواتها، ففي مشروعية الجعالة يسر وتخفيف على الأمة.

والعلماء ﵏ يعتنون بذكر جملة من المسائل المتعلقة بالجعالة كبيان حقيقتها، وما هي الجعالة؟ ومتى نجزم بكونه عقد جعل؟ ثم يبينون صفة الجعالة من حيث العمل المطلوب، وكونه مجهولاً أو معلوماً، وصفة الشيء المجعول ما الذي يُجعل؟ وهل يجوز أن يكون مجهولاً أو يشترط فيه العلم؟ ويبينون صفة عقد الجعالة: هل هو لازم أو جائز؟ وإذا كان جائزاً -كما هو قول جماهير العلماء- فمتى يصير لازماً؟ وإذا تعاقد اثنان على عقد الجعالة ففسخ أحدهم العقد فما الحكم؟ كل هذه المسائل يتكلم العلماء ﵏ عليها في باب الجعالة.

وهناك مناسبة بين باب الجعالة والأبواب السابقة من الوديعة، من جهة كونها تكون في حفظ الأموال ورعايتها؛ لأن الذي يبحث عن المال يوصله إلى صاحبه، والوديعة يقصد منها حفظ المال حتى يعود إليها صاحبها، فهناك مناسبة بين البابين من هذا الوجه.