Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ حكم الشفعة

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢٣٤/ ٦

حكم الشفعة

هذا النوع من العقود مشروع بسنة النبي ﷺ، وكذلك بإجماع العلماء ﵏، أما السنة فقد ثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري، واتفق الشيخان على إخراج الجملة الأولى منه: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم) واختلف العلماء في اللفظة الأخيرة: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق) هل هي مدرجة من كلام الراوي أو هي مرفوعة من كلام النبي ﷺ؟ وصحح غير واحد من العلماء أنها مرفوعة من كلام النبي ﷺ.

وجه الدلالة من هذا الحديث الشريف أنه قال ﵁: (قضى رسول الله ﷺ وكلمة (قضى) تحتمل أمرين: تحتمل السنة القولية، وتحتمل السنة الفعلية، فأما بالنسبة للسنة القولية فإن النبي ﷺ يأمر بالشفعة، ويثبت الشفعة للشريك مع شريكه، فإذا أثبتها ﵊ عبّر الصحابي وقال: (قضى رسول الله ﷺ لأن سنته يحكم بها ويقضى بها فصلاً بين الخصوم، فإن الله ﷾ أمرنا بالرجوع إلى سنته وهديه للفصل في الخصومات والنزاعات؛ ولذلك يقال: قضى رسول الله ﷺ.

أما الوجه الثاني: يكون المراد من قوله: (قضى رسول الله ﷺ أي: أنه رفعت إليه قضية فحكم فيها ﵊ بهذا الحكم، وحينئذٍ يكون قوله: (قضى رسول الله ﷺ على ظاهره أي: حكم ﵊ وقضى بذلك فتكون سنة فعلية من هديه ﵊، وسواء قلنا: إنها سنة قولية أو سنة فعلية؛ فكل يحتج به، لكن الفائدة أننا إذا قلنا: (قضى بها رسول الله ﷺ تكون من أقضيته ﵊، ولذلك عد الإمام القرطبي ﵀ هذا الحديث من أقضية رسول الله ﷺ، وقد ألف بعض العلماء في ذلك، ومن أشهر ما أُلف في ذلك كتاب القرطبي المشهور: أقضية النبي ﷺ، وذكر فيها أن النبي ﷺ قضى بالشفعة بين الصحابة.

كانت الشفعة موجودة في الجاهلية، وكان يعرفها أهل الجاهلية، فجاء الإسلام وأقرّها؛ ولذلك تعتبر من العقود التي كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام؛ لوجود المصالح المترتبة على إجازتها وحلها، وكذلك ترتب درء المفاسد على اعتبارها والعمل بها.

وكذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (الجار أحق بصقبه) وكذلك قال في حديث الترمذي وأبي داود في سننه من حديث سمرة: (جار الدار أحق بالدار) فهذا الحديث يدل على ثبوت الشفعة في الجار، وأنه إذا باع جارك الذي تشترك معه في طريق واحد أو منفعة واحدة كبئر واحدة -كما في المزارع- فإنه من حقك أن تشتري وأن تشفع؛ لورود الرواية الأخرى: (إذا كان طريقهما واحداً) دل هذا الحديث على مشروعية الشفعة بالجوار وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسألة وبيانها وبيان خلاف العلماء ﵏ فيها والقول الراجح ودليله إن شاء الله تعالى.

وأما دليل الإجماع فقد أجمع العلماء ﵏ والسلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة على مشروعية الشفعة وثبوتها، وأنها سنة وهدي من هدي النبي ﷺ، وخالف في ذلك الأصم، وخلافه شذوذ يحكى ولا يعول عليه، أي: لا يعتد بخلافه؛ لأنه خالف سنة رسول الله ﷺ وهديه، وإجماع السلف ﵏، قضى بهذه الشفعة عثمان بن عفان ﵁، وكذلك يحكى عن أبي بكر الصديق وعمر، وبناء على ذلك لا يعتد بخلاف من خالف في مشروعيتها.