Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ الدليل على مشروعية دفع الصائل

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢٣٣/ ٤

الدليل على مشروعية دفع الصائل

أما الدليل على مشروعية الدفاع: قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، شرع الله ﷿ للمظلوم أن يدفع الظلم عنه، والآية عامة شاملةٌ للاعتداء على النفس والمال والعرض.

الدليل الثاني: قول الله ﷾: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، فالله ﷿ شرع مقاتلة الباغي وجعل بغي الطائفة الثانية على الطائفة الأولى موجباً لنصرة الطائفة الأولى فقال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ بغت: اعتدت، والبغي: الاعتداء ومجاوزة الحد، قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩]، فإذا شرع الله لنا أن ندفع الظالم عمَّن ظُلِم، فمن باب أولى أن يكون مشروعاً للشخص نفسه أن يدفع ذلك الظلم عن نفسه.

كذلك ثبت عن النبي ﷺ الأحاديث الصحيحة التي تدل على مشروعية الدفاع عن النفس وعن العرض وعن المال، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد)، وفي الحديث الصحيح عنه ﵊: أنه جاءه رجل فقال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء الرجل يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه.

قال: أريت إن قاتلني؟ قال: قاتله.

قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار.

قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت في الجنة)، فهذا الحديث يدل على مشروعية دفاع الإنسان عن ماله، فقوله: (لا تعطه) أي: من حقك أن تمتنع؛ لأنه جاء بغياً وعدواناً فقال: لا تعطه، قال: (أرأيت إن قاتلني؟) بمعنى: أخبرني يا رسول الله عن الحكم لو أنه أصر إلا أن يأخذ مالي بالقوة، قال: قاتله، فأحل له أن يدافع، قال: (أرأيت إن قتلني؟! قال: أنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار).

فدل على سقوط حق الصائل الذي يصول على مال الإنسان، فإذا كان النبي ﷺ أسقط حرمة الصائل الظالم على المال فمن باب أولى أن تسقط حرمته إذا اعتدى على العرض وعلى النفس؛ لأن العرض أعظم من المال، والنفس أعظم من العرض والمال.

كذلك ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين ﵄ وفيه: قاتل يعلى بن أمية رجلاً، فعض أحدهما الآخر، فانتزع يده من فمه، فسقطت ثنيته، فاختصما إلى رسول الله ﷺ، فقال ﵊: (أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية له)؛ لأنه حينما عضه اعتدى على يده، وهذا العض ليس له مسوغ شرعي، وليس هناك إذن شرعي أن يعض، فلما عض سقطت حرمة أسنانه فلما انتزع المعضوض يده -المعضوض من حقه أن يدافع عن نفسه- فلما انتزع يده حصل بهذا الانتزاع المشروع سقوط ثنية العاض، فلم يوجب عليه الضمان ولم يوجب عليه الدية.

فدل هذا الحديث دلالة واضحة على سقوط حرمة الصائل والظالم إذا ترتب على دفعه ضرر، وقال: (لا دية لك) أي: لا شيء لك كما في الرواية الأخرى في الصحيح فدل هذا على أنه لا حرمة للمعتدي.

كذلك ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنه كان جالساً مع أهله فجاء رجلٌ وأصبح ينظر من خلل الباب -الفتحات التي في الباب- فأخذ ﵊ في يده المرود (المكحلة) فأخذ كأنه يستهدف العين التي تنظر، كأنه يريد أن يرميه بالمرود حتى يفقأ عينه فذهب الرجل وانصرف، كان بعض العلماء يقول: لعله من المنافقين.

وهذا أشبه أن يكون من أهل النفاق؛ لأنهم -عليهم لعائن الله تترى إلى يوم الدين- ما فتروا عن أذية النبي ﷺ حتى في عرضه؛ ولذلك كانوا يؤذونه حتى في عرضه كما في الحديث الصحيح في السير: أن كعب بن الأشرف كان يؤذي نساء النبي ﷺ إذا خرجن إلى قضاء الحاجة في المناصع وكانت قريبة من بقيع الغرقد.

فالشاهد: أن هذا الحديث لا يشكل على بعض طلاب العلم فيظن أن الصحابة يجرءون على رؤية النبي ﷺ، فهم -إن شاء الله- أبعد من ذلك، والأشبه أن يكون هذا من المنافقين؛ لأن المدينة كان فيها المنافقون وكان فيها اليهود، فالغالب أن يكون من غير الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين، فكونه ﵊ يريد أن يفقأ عينه أسقط حرمة العين، فلو قال قائل: إذا كان منافقاً سقطت حرمته في الأصل، قلنا: لكن الظاهر يوجب معاملته معاملة المسلم؛ لأنه قال: (أمرت أن آخذ بظواهر الناس).

والسنة الفعلية جاءت بإسقاط حرمة العين الناظرة، وكذلك جاءت السنة القولية عنه ﵊ كما في الحديث الصحيح في مسند الإمام أحمد وغيره: (لو أن رجلاً اطلع على عورة قومٍ ففقئوا عينه لم يكن عليهم شيء)؛ لأن هذه العين -والعياذ بالله- لما خانت هانت، فحرمة المسلم تقتضي أن لا تطلع هذه العين على العورة، فلما اطلعت وتحرت وقصدت ووجد منها القصد والترصد لفعل الجريمة سقطت حرمتها وكانت هدراً، فلو أن شخصاً نظر إلى عورة شخص واسترسل بنظره ففقأ عينه سقطت حرمة هذه العين إذا ثبت بالبينة عند القاضي أنها عينٌ جائرة مسترسلة في النظر في عورته.

وهذا الحديث يؤكد حرمة العرض؛ وأن النظر إلى العورات خيانة، والعين الخائنة أسقط النبي ﷺ حرمتها، فدل على مسألتين: الأصل وهو: أن العين عند اعتدائها تسقط حرمتها وتكون هدراً، فلو أن شخصاً فقأها في حال اعتدائها لم يضمن، والأصل العام أن هذا الحديث يدل على أن الصائل والمعتدي على أنفس الناس وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم تسقط حرمته بهذا الاعتداء، هذا بالنسبة لدليل الكتاب ودليل السنة، وأجمع العلماء من حيث الجملة كما حكى الإجماع الإمام ابن قدامة ﵀ وكذلك غيره من الأئمة، كالحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وله كلام نفيس في مسائل دفع الصائل في مجموع الفتاوى فيحبذ لطلاب العلم أن يرجعوا إليه، وغيره من الأئمة ﵏ بينوا أن الصائل تسقط حرمته إذا صال على المسلم ظلماً وعدواناً، قلنا: بشرط أن يكون ظالماً، فإذا كان قد اعتدى على الشخص بحق وعدل فلا يعتبر صائلاً، ولا يأتي بحكم الصائل، وبينا أنه ينبغي على الشخص المهجوم عليه أن يحاول دفع الصائل بالأخف، فإذا لم يمكن إلا قتله جاز له قتله، وكذلك ينبغي عليه تحذيره وإنذاره كما يشترطه بعض فقهاء الشافعية ﵏ فيقول له: يا فلان اتق الله، يا فلان خف الله ﷿، يا فلان! أناشدك الله أن تبتعد عني وأن تكفيني شرك، أن تترك عرضي، أن تترك مالي، فيناشده بالله ﷿ إن أمكنت مناشدته وينصحه ويعظه إن أمكنه ذلك، هذا بالنسبة لمسائل الصائل التي ذكرناها فيما تقدم وكلها تتعلق بالإنسان، فبقي السؤال عن الصائل إذا كان من الحيوان؟