Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ ضمان المثلي بمثله

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٢٣٠/ ٣

ضمان المثلي بمثله

إذاً: مراد المصنف: أن الضمان للمثليات يكون بالمثل، والمثليات كالمكيلات والموزونات، وقد تكون المثليات من العدد كما هو موجود في زماننا كالسيارات ونحوها فيضمن مثلها، وللعلماء في هذه المسألة قولان: بعض العلماء يقول: أي شيء يغصب ويتلف يجب على غاصبه أن يدفع القيمة، ولا يرى أنه يدفع المثلي.

وذهب طائفة من العلماء إلى أنه إذا كان الشيء المغصوب له مثل فإنه يجب عليه أن يضمن المثل، وهذا هو الذي درج عليه المصنف وهو مذهب الحنابلة -رحمةُ الله عليهم- في المشهور.

فمن اغتصب شيئاً وهذا الشيء تلف وله مثلي، فإنه يجب عليه أن يرد لصاحبه المثل، ولا ننتقل إلى القيمة متى أمكن رد مثل الشيء الذي أتلفه، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث عن النبي ﷺ: أنه أُتي بطعام من صفية ﵂ وأرضاها، وكانت عنده أم المؤمنين عائشة وكانت صفية ﵂ تحسن الطعام.

ومن الجبلة والفطرة أن الإنسان ربما يغار، وخاصةً إذا كان مع أهل الفضل، فنساء النبي ﷺ تصيبهن الغيرة، وهذا قد يكون -في بعض الأحوال- من أصالة المرأة؛ لأنها إذا كملت محبتها لزوجها تفانت في هذه المحبة إلى درجة أنها تغار.

فلما أُتي بالطعام غارت أم المؤمنين عائشة ﵂، فضربت القصعة فكسرتها وسقط الطعام، حتى ورد في الخبر أن النبي ﷺ وجعل يقول: (غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم) ﵂ وأرضها، ومن الذي لا يغار على رسول الله ﷺ؟! فلما كُسر الإناء وذهب الطعام ندمت عائشة ﵂، وسألت رسول الله ﷺ عن هذا الأمر؛ لأن الله ﷾ لا يضيع سعي العبد إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فسألت رسول الله ﷺ عن ما صنعت، فأمرها رسول الله ﷺ بالضمان، وقال: (إناءٌ كإناء، وطعام كطعام) أي: اضمني إناءً مثل الإناء الذي كسرتيه، واضمني طعاماً مثل الطعام الذي أتلفتيه فدل هذا الحديث على أن الإتلاف والغصب يُبتدأ في ضمانه بالمثل، وأن من أتلف شيئاً نأمره أن ينظر إلى مثل ذلك الشيء إن وجد، وأننا لا ننتقل إلى القيمة متى أمكن وجود المثل، وهذا الأصل دلّت عليه سنة النبي ﷺ ودلّ عليه صريح القرآن؛ فإن الله ﷾ يقول في كتابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وقال ﷾: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ سمى ضمان الشيء ورد الشيء بمثله سيئة، وهذا ليس المراد منه أنها سيئة حقيقة؛ لأنه لو أساء إليك شخص فرددت إساءته بمثلها فلست بمسيء، فاستشكل العلماء ﵏ المثلية هنا، فقالوا: لأن الإنسان إذا أراد أن يرد سيئة ربما أخذته الحمية غالباً فزاد وجار، ولذلك قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، والغالب أن الإنسان لا يحتمل نفسه ولا يستطيع أن يأخذ القصاص مثلاً بمثل؛ لأن الحمق والغيظ يدفعه إلى الزيادة، الشاهد في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ﴾ [النحل:١٢٦]، فوجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله ﷾ أمرنا أن نعاقب بالمثل، ومن أتلف شيئاً فإنه يجب علينا أن نعاقبه على ذلك الإتلاف فنأمره بمثله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ﴾، فإذا كسر إناءً عاقبناه بالمثل وقلنا له: أحضر إناءً مثل الإناء الذي كسرته، ولو أخذ سيارة غصباً فأتلفها قلنا له: ائت بسيارة مثل تلك السيارة وأعطها لصاحبها، فتلك عقوبة بالمثل وامتثال لأمر الله ﷾ في كتابه.

وفي هذه الجملة دليل على أننا نضمن بالمثل، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء؛ لظاهر القرآن وظاهر السنة، وهو مذهب الجمهور -رحمةُ الله عليهم- خلافاً للشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد.

والسبب الذي جعل القائلين بأنه يضمن بالقيمة: أنهم استدلوا بحديث في الصحيحين في عتق الشرك: (أن من أعتق شركاً -يعني: نصيباً له في عبد- قوّم له قيمة عدل) فأمر النبي ﷺ بضمان نصيب الآخر، بتقويم نصيب ذلك الآخر وإعطائه القيمة، ومثال ذلك: لو كان هناك عبد قيمته خمسة آلاف، وكان فيه شريكان، فأعتق أحد الشريكين نصيبه سرى العتاق، وحينئذٍ يضمن للشريك الآخر نصيبه بالقيمة على ظاهر الحديث.

الشاهد: أنه أمر بالضمان بالقيمة، ولم يأمر بالضمان بالمثل، يعني: أمر أن يضمن نصيب صاحبه بالقيمة، وهذا كالإتلاف؛ لأنه فوت نصيب صاحبه بالعتق؛ ولا يمكننا هنا أن نأتي بالمثل؛ لأن هناك شراكة فلا نستطيع أن نذهب ونأخذ عبداً ونأتي بشخص ونقول له: شارك هذا الشخص حتى تتحقق المثلية، فحينئذٍ نقول: هذا الحديث نجيب عليه من وجوه: الوجه الأول: أن نقول: لا تعارض بين عامٍ وخاص، فالأصل في الضمانات المثلية إلا في مسألة عتق العبد فيضمن بالقيمة، فيصبح الحديث خاصاً في مسألة العتق، والضمان الأصل فيه عام، وهو: أنه يضمن بالمثل، هذا الوجه الأول، حيث تجعل الأصل عاماً وتجعل الحديث خاصاً، ولا تعارض بين عام وخاص.

ثانياً: أن تقول: إن الأصل الذي يقتضي الضمان بالمثلية هو فيما يمكن فيه المثلية وأن يأتي بمثل ما أتلف، والحديث الذي معنا متعلق بالعتق ولا يمكن فيه الضمان بالمثل فانتقل للقيمة، وهذا من أقوى الوجوه وهو الوجه الثاني الذي يجاب به عن هذا الحديث.