شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
حكم الغسل لمن جامع زوجته ولم ينزل
وبالنسبة للإيلاج ففيه مسألتان: المسألة الأولى: كان بعض السلف يقول: إذا جامع الرجل ولم يُنزل لا يجب الغسل، أي: أنهم لا يرون أن مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وذهب الجماهير من الصحابة رضوان الله عليهم إلى أنه يجب الغسل، سواء حصل الإنزال في الجماع أو لم يحصل، إنما هذا كان في أول التشريع في الإسلام، أن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا يجب عليه الغسل، وفيه أحاديث صحيحة، منها: ما ثبت من قوله ﵊: (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- بسبب الماء -وهو المني-، فإذا جامع أهله ولم ينزل فلا غسل عليه، هذا مفهوم الحديث.
ومما دل عليه أيضاً: ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ زار رجلاً من الأنصار، فقرع عليه الباب فخرج الرجل مسرعاً كأنه كان مع أهله، فقال ﵊: لعلنا أعجلناك، إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) (أعجلت) بمعنى: أن الإنسان نزع قبل أن ينزل في الجماع، (أو أقحطت) أي: لم يحصل إنزال أثناء الجماع (فلا غسل عليك)، فظاهر هذا النص أن العبرة بحصول المني.
وجاء في الحديث الثالث أيضاً ما يؤكد هذا في قوله ﵊: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فكانت هذه رخصة في أول الإسلام، أنه لا يجب الغسل بمجرد الجماع، ثم جاء الأمر من الله ﷿ بإيجاب الغسل بالجماع في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في قوله ﵊: (إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل) وفي رواية: (أنزل أو لم ينزل).
وعندما اختلف الصحابة في عهد عمر ﵁ كان بعض الصحابة يحفظ الفتوى الأولى ويحفظ التشريع الأول، وكان بعضهم يحفظ النسخ، فاختلفوا واختصموا إلى عمر ﵁، فبعث عمر ﵁ إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها فأخبرته بحديث النبي ﷺ، وهذا من ورع الصحابة وكمال عقلهم وفضلهم أنهم كانوا ينزلون العلم بأهله.
فانظر إلى عمر ﵁ الخليفة الراشد والإمام العدل ﵁ وأرضاه، لما أعْيَته المسألة ما حكم وبتّ الأمر واختار أحد القولين وحسم، بل رجع إلى أم المؤمنين، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن نافلته ﵊ في السفر قالت: (سل عبد الله بن عمر فإنه أعلم بهدي رسول الله ﷺ في سفره مني) فهذا هو شأن أهل الفضل، والمنبغي بين طلاب العلم وأهله، أنك إذا علمت أن هناك من هو أعلم منك في فن أو علم فعليك أن تحيل إليه المسألة، فلما اختلفوا في هذه المسألة رجعوا إلى أمهات المؤمنين، وقد كانوا إذا خفي عليهم شيء من هدي رسول الله ﷺ في أمور البيت والنساء وأحكامها رجعوا إلى أمهات المؤمنين ﵃ وأرضاهم أجمعين، فأخبرته أم المؤمنين بالحديث فقال عمر ﵁: (من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً للعالمين) أي: عزرته، أي: أن النبي ﷺ نسخ الحكم الذي كان في أول الإسلام بالتخفيف، فوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل الإنزال.
وجاء أبو سلمة ﵁ -الإمام المشهور تلميذ ابن عباس - إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ -وحصل تشكيك في هذه المسألة في عهد التابعين- وذكر القول الذي يقول بإسقاط الغسل عن من جامع ولم ينزل، فسأل أم المؤمنين فقالت: (يا أبا سلمة! إنما مثلك مثل الفُرُّوج سمع الديكة تصيح فصاح بصياحها) أي: ما أنت إلا تبع للناس، وينبغي أن يؤخذ العلم عن أهله، ثم ذكرت له الحديث، فهذا يدل على شدة أم المؤمنين ﵂ في المسألة، وأن الأمر منسوخ ومنتهٍ، ولذلك يقول بعض العلماء: حصل الإجماع بعد الصحابة على أن مجرد الجماع يوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل.