شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
التمتع والقران وخلاف العلماء في أفضلية أحدهما على الآخر
السؤال
أشكل عليَّ الجمع بين حديث النبي ﷺ وهو قوله: (أتاني جبريل، وقال: يا محمد! أهل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)، فدل على أن الله أمره بالقران، وبين قوله ﷺ: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)؟
الجواب
هذا الحديث يحتج به جمع من العلماء على أن القران أفضل؛ لأن الله تعالى اختاره لنبيه من فوق سبع سماوات، ولم يحج إلا حجةً واحدة، قالوا: فاختار الله له من فوق سبع سماوات أن يقرن.
واختلف العلماء: هل القران من أول حجه، أو طرأ عليه؟ وذلك على ثلاثة أقوال: منهم من قال: إنه كان مفرداً ثم قرن.
ومنهم من قال: كان مهلاً بعمرة ثم قرن.
ومنهم من قال: إنه كان قارناً ابتداء وانتهاءً.
وهذا هو أصح الأقوال؛ لأنه قد ثبت عن خمسةٍ وعشرين من أصحاب النبي ﷺ قرانه ﵊، قال أنس ﵁، كما في الرواية الصحيحة: (ما تعدوننا إلا صبيانا، لقد كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمسني لعابها، أسمعه يقول: لبيك عمرةً وحجاً)، والسبب في ذلك أن أبا طلحة كان مع النبي ﷺ قريباً من دابته، وكانت دابته تسامت دابة النبي ﷺ، وكان أنس ﵁ -وهو ربيب أبي طلحة - من أقرب الناس إلى النبي ﷺ، فالصحيح أنه كان قارناً ابتداءً وانتهاءً.
وأما قوله ﵊: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)، فللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: إن النبي ﷺ تمنى أن لو كان متمتعاً، فدل على أن التمتع أفضل؛ لأنه كان على آخر الأمرين، فدل على أن التمتع يعتبر أفضل من القران.
ومنهم من يقول: إن النبي ﷺ لما أمر أصحابه بفسخ الحج بعمرة، أشكل على الصحابة هذا؛ لأن الصحابة ألفوا أن العمرة لا تقع في الحج، وكانوا يرونها من أفجر الفجور، وكان من عادة أمهات المؤمنين أنه إذا شق الأمر على الصحابة دعونه ﷺ أن يبتدئ بنفسه، ولذلك لما دعاهم إلى الفطر تأخروا، فشرب ﵊ من اللبن فشرب الصحابة وأفطروا، وفي يوم الحديبية لما دعاهم أن يتحللوا تلكئوا، ودخل مغضباً على أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قال: (ما لي آمر فلا أطاع، فقالت له: ادعُ الحلاق، فلما دعا الحلاق وحلق رأسه ﷺ، قام بعضهم يحلق لبعض يكاد بعضهم يقتل بعضاً).
فأصبح الآن تطييب خواطرهم بالفعل مستحيلاً؛ لأنه قال: (إني قلدت هديي، ولبدت شعري فلا أحل حتى أنحر)، فقال تطييباً لخواطرهم بالقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، ولذلك قال الإمام أحمد رحمة الله عليه، وجمع من السلف: هذا يدل على اختياره صلوات الله وسلامه عليه وحبه للتمتع، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لكان متمتعاً، فقالوا: هذا يدل على تفضيل التمتع، وأن أفضليته جاءت متأخرة، فحينئذٍ يدل على أفضلية التمتع.
وأما الأولون فقالوا: إن هذا قاله النبي ﷺ لسبب، ولا يعقل أن الله تعالى يختار لنبيه إلا الأفضل والأكمل، والمسألة مشهورة والخلاف فيها مشهور، ومن رجح القران فله وجه من السنة، ومن رجح التمتع فله وجه من السنة، لا يُثَرَّبُ على هذا، ولا يُثَرَّب على هذا، ولكل وجه، ولكل سلفه من الأئمة والعلماء الأجلاء، ولكن الممنوع أن يعتقد الإنسان خطأ غيره، فتجد طالب العلم إذا رجح القران يحتقر من يرجح التمتع، وتجده يستهجنه، وربما يتقصده بالمناقشة، حتى إنه ربما يصبح الحج جدلاً، وأخذاً وعطاءً فيما هو الأفضل، وهذا لا ينبغي.
فالإنسان إذا ترجح له دليل، وعرف أن السنة فيه، واعتقد ذلك وله سلف، وله وجه من هذا الدليل من كتاب الله، وسنة النبي ﷺ، فهو على خير وعلى هدى.
وكذلك أيضاً إذا ترجح عند غيره غير قوله فلا يُثَرِّب عليه، ولا يعتقد ضلاله، ما دام أنه يقول بقول له وجهه من كتاب الله تعالى وسنة النبي ﷺ، قال شيخ الإسلام ﵀، في معرض الكلام عن خلاف الصحابة: إنهم كانوا يختلفون، وتتباين أقوالهم في المسائل، فيصلي بعضهم وراء بعض، ويترضى بعضهم على بعض، ويترحم بعضهم على بعض، فلم يكن خلافهم مفضياً إلى حصول الفتنة بينهم، وإنما ينبغي على المسلم أن يلتزم هدي الكتاب والسنة، وألا يتعصب إذا تبين له الدليل، وتبينت له الحجة، ويرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة النبي ﷺ، فإن استبانت له السنة بترجيح شيء عمل به واعتقده، وأقنع الغير إن أمكن إقناعه، وإلا بقي على ما يرى أنه حق وصواب، وتعبد الله به، والله تعالى أعلم.