شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ
أقوال العلماء في فرضية العمرة
وأما بالنسبة للعمرة ففيها قولان مشهوران لأهل العلم رحمة الله عليهم: القول الأول: إن العمرة سنة وليست بواجبة، وبهذا القول قال فقهاء الحنيفة والمالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول للشافعي رحمة الله على الجميع.
والقول الثاني: إن العمرة واجبة، وبهذا القول قال الشافعية والحنابلة في المشهور.
فأما دليل من قال: إن العمرة سنة وليست بواجبة فقد استدلوا بظاهر قوله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] قالوا: ولو كانت العمرة واجبة لقال الله: ولله على الناس الحج والاعتمار، ولكن الله ﷾ خص الفريضة بالحج، فدل على أن العمرة لا تأخذ حكم الحج.
واستدلوا كذلك بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، منها حديث عبد الله بن عمر في الصحيح (بني الإسلام على خمس، وفيه: حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) قالوا: إن النبي ﷺ لم يذكر العمرة مع الحج، فدل على أن الحج فريضة والعمرة سنة.
وكذلك استدلوا بحديث عمر في الصحيحين حينما سأل جبريل رسول الله ﷺ عن الإسلام، فذكر شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، قالوا: ولم يذكر العمرة.
وكذلك أيضاً استدلوا بحديث ضمام بن ثعلبة ﵁، وذلك أنه وفد على رسول الله ﷺ وسأله فقال: (زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً.
قال: صدق، فقال بعد ذلك: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.
فقال ﷺ: لئن صدق ليدخلن الجنة) فقال: لا أزيد على هذا.
والعمرة زائدة على الحج، فدل على أن العمرة ليست بواجبة.
كذلك أيضاً استدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ سأله أعرابي عن العمرة أواجبة هي؟ فقال ﷺ: لا وأن تعتمر خير لك) وهذا الحديث رواه الإمام الترمذي في سننه، وقال: إنه حديث حسن صحيح، وكذلك رواه الإمام أحمد في مسنده.
قالوا: فهذا الحديث الصحيح يدل على أن العمرة ليست بواجبة، حيث إن رسول الله ﷺ لما سأله السائل: (أهي واجبة؟ قال: لا) وهذا يدل على أنها ليست بلازمة، ثم قال: (وأن تعتمر خير لك) أي: أنها سنة مستحبة وليست بفريضة واجبة.
كذلك استدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: (الحج جهاد والعمرة تطوع) وهذا الحديث رواه ابن ماجة بسند ضعيف.
هذه هي حاصل حجج من قال: بأن العمرة ليست بواجبة.
أما من قال: بأن العمرة واجبة فقد استدل بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
وجه الدلالة: أن الله قرن العمرة بالحج، فدل على أن حكمهما واحد، وهذه الدلالة تسمى عند العلماء: بدلالة الاقتران، وهي دلالة ضعيفة، والدليل على ذلك أن الله يقرن الواجب وغير الواجب كما قال ﷾: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] فإن الله قرن الأكل بأداء الزكاة، فدل على أنه قد يقرن الواجب بغير الواجب.
ثم إن هذه الدلالة في الآية محل نظر، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة:١٩٦] ففي قراءة (والعمرة لله) على العطف وهناك قراءة على الاستئناف (وأتموا الحج والعمرةُ لله) وعلى هذه القراءة لا يستقيم الاستدلال.
وكذلك أيضاً استدلوا بالسنة، وذلك لما ثبت من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ وأرضاه: (أنه سأل النبي ﷺ عن أبيه حيث قال: إن أبي لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، فقال ﷺ: حج عن أبيك واعتمر) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وكذلك الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه غير واحد من الأئمة، قالوا: إن هذا الحديث أمر فيه النبي ﷺ أبا رزين أن يعتمر عن أبيه، فدل على أن العمرة واجبة.
واستدلوا أيضاً بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂، وذلك (أنها سألت النبي ﷺ: هل على النساء جهاد؟ قال ﵊: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) فقوله: (عليهن) أي: يلزمهن كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: ألزموها، فهذه الصيغة صيغة إلزام، وصيغة الإلزام تدل على الوجوب، وبناءً عليه فإن هذا الحديث يدل على وجوب العمرة.
وبناءً على ذلك قالوا: إن العمرة واجبة، وهذا القول أعني: القول بوجوب العمرة هو أصح القولين والعلم عند الله، وذلك لقوة دلالة الأدلة التي استدلوا بها، وأما الآية فدلالتها ضعيفة هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] لكن الأقوى حديث أبي رزين وحديث أم المؤمنين عائشة ﵂.
وكيف نجيب عن دليل القائلين بالسنة؟ الجواب عن ذلك من وجوه: أقواها ما اختاره شيخ الإسلام ﵀ من أن الحج ينقسم إلى قسمين: - حج أكبر.
- وحج أصغر.
وهذا هو الذي دل عليه القرآن في قوله ﷾: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] فهناك حج أكبر وهو الحج المعروف، وهناك حج أصغر وهو العمرة، فلما قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] شمل الحج الأكبر والأصغر.
وكذلك ما ورد من الأحاديث في قوله: (وأن تحج البيت) فإنه يشمل حج البيت بالأكبر والأصغر؛ لأنه مطلق فيشمل الاثنين، وهذا هو أنسب الوجوه؛ لأن الله وصف الحج بكونه أكبر وأصغر.
وأجيب أيضاً بأن سكوت الأدلة عن ذكر هذه الفرائض في العزائم والأركان لا يدل على عدم وجوبها، وأن وجوبها شُرِعَ متأخراً، وهذا الوجه يختاره بعض الأئمة ﵏.
وبناءً على ذلك فإنه يترجح قول القائل بوجوب العمرة.
إذا ثبت وجوب الحج والعمرة فيرد
السؤال
هل هذا الوجوب وهذه الفريضة عامة أو خاصة؟ أما بالنسبة للحج فهو واجب وفريضة على المستطيع عموماً بالشروط التي سنذكرها، أما العمرة فللعلماء الذين قالوا: بوجوبها وفرضيتها مسلكان: منهم من يقول: العمرة واجبة على الجميع دون فرق بين أهل مكة وغيرهم.
ومنهم من يقول: هي واجبة على غير أهل مكة، أما أهل مكة فإنه لا تجب عليهم العمرة.
والصحيح فرضيتها على الجميع؛ وذلك لأنه لم يدل دليل على استثناء المكي وإخراجه من هذا العموم.