Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ السنة في القراءة فيها

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٧٤/ ٥

السنة في القراءة فيها

قال رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ جهراً بعد الفاتحة بسبح في الأولى، وبالغاشية في الثانية]: كان من هديه ﵊ أنه يصلي صلاة العيدين جهريةً، وهذا مما توافق فيه صلاة النهار صلاة الليل، وإلا فالأصل في الصلاة السرية عن النبي ﷺ أنها في النهار ما عدا الفجر، وكذلك صلاة العيدين فقد أثر عنه ﵊ أنه قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وكذلك أيضاً ثبت عنه أنه قرأ بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وللإمام ابن القيم رحمة الله عليه كلام نفيس في هذه المسألة، فقد بين أن اختيار هاتين السورتين للدلالة على عظمة الله ﷾، خاصة أن فيهما ذكر البعث والنشور ونهاية الدنيا وصيرورة الإنسان إلى الآخرة، وما يعين على رقة قلبه وخشوعه وخضوعه، وخاصة في يوم العيد حيث الناس قد لبسوا أحسن ما يجدون من الثياب، فلربما دخل في الإنسان الغرور ولهو الدنيا والركون إلى شيء مما يصرفه عن ذكر الله ﷿، فعندما يقرأ الإمام هاتين السورتين فكأنه يوحي إلى القلوب أن تكون على قرب وخوف من الله ﷾، فمع أنه يوم عيد يشرع تذكيرهم بالله ﷿، ولذلك اختار هذه السورة لما فيها من بالغ العظة والذكرى، خاصة وأن سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] تشتمل على نهاية الإنسان وحال السعداء والأشقياء، وما ينتهي إليه حال الناس من الخروج من قبورهم إلى لقاء الله ﷻ، فتذكير الناس في مثل هذا اليوم الذي يغلب فيه الفرح والسرور أدعى إلى الموازنة والبعد عن الغلو في الفرح، والإسلام دين الوسط، فإنه في الأعياد لا يفتح الباب على مصراعيه حتى يسترسل الناس في غيهم وفي فجورهم، ويقعون في أمور حرمها الله، وكذلك لا يضيق على الناس، فبأبي هو وأمي ﵊ لما كان يوم العيد، ودخل الحبشة يلعبون بالسلاح في المسجد سألته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن تنظر إليهم، فقام على قدميه الشريفتين صلوات الله وسلامه عليه، وهي تنظر إليهم من وراء ظهره، وهو صلوات الله وسلامه عليه سيد الأمة وأفضل الخلق، فمع فضله وعلو مكانته يقف لها من أجل أن تنظر إليهم وهم يلعبون؛ لأنه يوم عيد، ويوم فرحة ويوم سرور، ولم يعتب عليها، ذلك لأن الحال يقتضي التوسعة، تقول أم المؤمنين عائشة: وهو يقول لي: (هل فرغت؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل فرغت؟ وأقول: لا بعد).

صلوات الله وسلامه عليه، ولما دخل أبو بكر ﵁ وجاريتان تضربان بالدف لـ عائشة ﵂ تغنيان لها، فأراد أن يضربهما، فقال له النبي ﷺ: (إنه يوم عيد) أي: لا تؤذهما فإنه يوم عيد.

ولما دخل عمر على الحبشة وهم يلعبون بالسلاح، فأراد أن يحصبهم، قال: (يا عمر! إنه يوم عيدنا)، فهذا يدل على التوسعة، لكن إذا زاد الأمر فإنه يخشى أن الناس يفرطون في اللهو المباح، وفي الأمور التي توجب الوقوع في سخط الله وغضبه وكفران نعمه وبطر عيشه، فقرأ ﵊ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، وكذلك ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فإن هاتين السورتين -خاصة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]- فيهما تذكير بحال الأمم الماضية، وكيف كانت في عزة ومنعة ثم آلت إلى ما آلت إليه من سوء الخاتمة -والعياذ بالله- بعصيان الله جل وعلا، فهذا شيء عجيب من الموازنة والانضباط لكي يكون المسلم بين الإفراط والتفريط، فهو الوسط الذي يحمد صاحبه، وتكون به عواقب الخير في دينه ودنياه وآخرته.