Skip to content

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ تقديم الأقدم هجرة والأتقى للإمامة

شرح زاد المستقنع - الشنقيطي - التفريغ

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Printed page ٦٠/ ٦

تقديم الأقدم هجرة والأتقى للإمامة

قال رحمه الله تعالى: [ثم الأقدم هجرة].

وهذا ثابتٌ عن النبي ﷺ، في قوله: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً) وهذه رواية صحيح مسلم، ومعنى (أقدمهم سِلماً): أي: إسلاماً.

ويمكن الآن أن يُنظر إلى التزام الشخص واستقامته وهدايته، فلو كان كِلا الشخصين حافظاً للقرآن عالماً بالسنة، ولكن أحدهما أقدم وأسبق في الالتزام وسنهم سواء؛ فإننا نقدم من نشأ في طاعة الله ﷿ على من هو دونه؛ ولذلك له شرف السَّبق والالتزام بدين الله ﷿ فحملوا عليه رواية الصحيح: (فأقدمهم سِلماً)، وقال ﷺ: (فإن كانوا في السِّلم سواء فأقدمهم هجرةً) وفي رواية الأشج في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (فأقدمهم سناً) بدل (سِلماً)، وعليها حُملت الرواية بتقديم الأسن، ثم بعد السن جاء التفضيل من جهة الهجرة، وكانت الهجرة -ولا زالت- سنة من السنن، فقال ﷺ: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، ولذلك الهجرة باقية، وإذا كان أحدهم أقدمهم هجرة فإنه يقدم لسبقه إلى الإسلام، وابتلائه في ذات الله ﷿، وصبره على هذا الابتلاء أكثر من غيره، وهذا يدل على أن التقديم كله من جهة الدين، وهذا شرفٌ للإنسان من جهة الدين لا من جهة الدنيا.

قال رحمه الله تعالى: [ثم الأتقى].

الأتقى: أي: الأكثر تقوى لله ﷿، وهذا بلا إشكال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وتقديم النبي ﷺ أشخاصاً للإمامة ومفاضلته بين المتقدمين يدل على أن الأتقى لله ﷿ مُقدّم؛ فإن الأتقى لله ﷿ ينفع الله بقراءته، وينفع الله بمواعظه، وينفع الله بهديه واستقامته، بخلاف الفاسق الفاجر المتهالك المتهافت، فإنه قد يدعو الناس إلى الرذائل، وقد يستخف الناس بالحرام بسبب وجود هذا الفاجر والعياذ بالله، وقد ترى هذا الفاجر وهو إمام يصلي بالناس يفعل أموراً لا تليق بمثله، فيُشِين الإمامة ويجعل الناس في نفرة من دين الله ﷿، ولكن الأتقى لله ﷿ على العكس من ذلك؛ فإنه لا يزال الإنسان يتمسك بشريعة الله ﷿ ويلتزم بدين الله حتى يتأثر به من يراه، ويحبه من يسمع قوله ويرى هديه، كما قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] أي: سيجعل الله لهم في القلوب حباً.

ولكن بالإيمان والعمل الصالح، فإذا كان الإمام تقياً نقياً يخاف الله ﷿ ورعاً بعيداً عن الحرام فإن هذا أدعى لتأثر الناس به واقتدائهم به.