Skip to content

عيار الشعر الألفاظ والمعاني

عيار الشعر

أبو الحسن ابن طباطبا

Printed page ١١

(الألفاظُ والمعاني)

فمِنَ الأشْعارِ أشْعارٌ مُحْكَمةٌ مُتْقَنةٌ، أنيقَةُ الألفَاظِ، حكيمةُ الْمعَانِي، عَجيبةٌ التأليفِ، إِذا نُقِضَتْ وجُعِلَتْ نَثْراً لم تَبْطُلْ جَوْدةُ مَعَانيها، وَلم تَفْقُدْ جَزَالةَ ألفاظِهَا.

وَمِنْهَا أشعارٌ مُمَوَّهةٌ مُزَخْرفَة عَذْبةُ، تَرُوقُ الأسْمَاعَ والأفْهامَ إِذا مَرَّتْ صَفْحاً، فَإِذا، حُصَّلَتْ وانتُقِدَتْ بُهْرِجَتْ مَعَانِيهَا، وزُيَّفَتْ ألفاظُهَا، ومُجَّتْ حَلاوَتُها، وَلم يَصْلُحْ نَقْضُها لبناءٍ يُسْتَأنَفُ مِنْهُ؛ فبعضُها كالقُصُور المُشَيَّدة والأبْنيةِ الوَثِيقةِ الباقيةِ على مَرِّ الدُّهور، وبعضُهَا كالخيام المُوَتَّدة الَّتِي تُزَعزِعُها الرِّياحُ، وتُوهِيها الأمطارُ، ويُسْرِعُ إِلَيْهَا البلَى، ويُخْشَى عَلَيْهَا التَّقَوُّض.

وللمعاني ألفاظٌ تُشَاكِلُها فتَحْسُنُ فِيهَا وتَقْبُحُ فِي غَيرهَا، فَهِيَ كالمَعْرضِ لِلْجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ الَّتِي تَزْداد حُسْناً فِي بعض الْمعَارض دون بعض.

فَكَمْ من مَعْنىً حَسَنٍ قد شِينَ بمعرضهِ الَّذِي أُبْرِزَ فِيهِ.

وكَمْ من مَعْرضٍ حَسَنٍ قد ابْتُذِلَ على مَعْنىً قَبِيح ألْبِسَهُ.

وكَمْ من صَارم عَضْبٍ قد انتضَاهُ مَنْ وَدَدْتَ لَو أنَّهُ أمْضَاهُ. فَهَزَّه ثمَّ لم يَضْرِبْ بِهِ.

وكَمْ من جَوْهرةٍ نَفِيسَةٍ قد شِينَتْ بِقَرينَةٍ لَهَا بَعيدةٍ مِنْهَا، وأفْرِدَتْ عَن أخَواتها المُشَاكلاتِ لَهَا.