الفصول في الأصول
[فَصْلٌ فِي سُؤَالَاتِ مَنْ قَالَ إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ وَاحْتِجَاجُهُمْ لِذَلِكَ]
َ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ، وَقَوْلُ السَّلَفِ، وَالنَّظَرُ. فَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَحْكَامِ حَوَادِثِ الْفِقْهِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَابَ الِاخْتِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، وَذَمَّ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الدِّينِ، وَعَنَّفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وَقَالَ ﷿: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] . فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ نَهْيًا عَامًّا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
فَدَلَّ أَنَّ مَا أَدَّى إلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ انْتَفَى مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَنَفَاهُ عَنْ