Skip to content

الفصول في الأصول باب القول في حكم المجتهدين واختلاف أهل العلم فيه

الفصول في الأصول

أبو بكر الرازي الجصاص

Printed page ٤/ ٣٠٤

وَنَظِيرُهُ: مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ فِي غُزَاةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِيهِ. فَصَوَّبَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَمِيعَ، وَذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ إلَّا هُنَاكَ» . فَأَدْرَكَتْ قَوْمًا مِنْهُمْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَخَافُوا فَوْتَهَا قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى هُنَاكَ، فَاخْتَلَفُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تُصَلُّوا الْعَصْرَ إلَّا بِهَا» ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا أَمَرَنَا بِذَلِكَ لِتَعْجِيلِ الْمَصِيرِ إلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ تَرْخِيصٍ مِنْهُ فِي تَرْكِهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا. فَفَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مَا رَأَى، ثُمَّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَظْهَرَ تَصْوِيبَ الْجَمِيعِ، إذْ كَانُوا فَعَلُوهُ بِاجْتِهَادِ آرَائِهِمْ.

وَمِنْ نَحْوِهِ: «مُشَاوَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، وَأَشَارَ عُمَرُ بِالْقَتْلِ، فَصَوَّبَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ صَوَّبَهُمَا جَمِيعًا: أَنَّهُ شَبَّهَ أَبَا بَكْرٍ بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ حِينَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . وَشَبَّهَ عُمَرَ بِنُوحٍ ﷺ حِينَ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُشَبِّهَهُمَا بِنَبِيَّيْنِ فِي فِعْلِهِمَا، إلَّا وَقَوْلُهُمَا جَمِيعًا صَوَابٌ. وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ بِحَقِيقَةِ النَّظَرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لَمَا جَازَ تَصْوِيبُهُمَا، إذْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَانَ الْمُصِيبُ مِنْهُمَا عُمَرَ دُونَ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَ نَبِيَّهُ ﷺ -