Skip to content

الفصول في الأصول باب القول في تعارض العلل والإلزام وذكر وجوه الترجيح

الفصول في الأصول

أبو بكر الرازي الجصاص

Printed page ٤/ ٢١٢

وَمَنْ يَقُولُ بِالتَّخْيِيرِ فِي الْقِيَاسِ إذَا تَعَارَضَا مِمَّنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ يَقُولُ فِي الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ إذَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهَا مِثْلَ ذَلِكَ.

وَمَنْ أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا اخْتَارَ الْمُجْتَهِدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ تَبَيَّنَ لَهُ فِي الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ، ثُمَّ اُخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي مِثْلِهَا، وَاسْتُفْتِيَ فِيهَا، وَحَالُهُ فِي الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ رُجْحَانٍ حَصَلَ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ يَمْضِي عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِرُجْحَانٍ يَبِينُ لَهُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ. قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ (لَهُ) ذَلِكَ لَجَازَ لَهُ إذَا اسْتَفْتَاهُ رَجُلَانِ يُفْتِي أَحَدَهُمَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَيُفْتِي الْآخَرَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْحَالِ، وَهَذَا مُسْتَنْكَرٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ. وَأَهْلُ التَّمْيِيزِ يَعُدُّونَهُ ضَرْبًا مِنْ التَّنَقُّلِ فِي الرَّأْيِ، وَضَعْفِ الْعَزِيمَةِ. وَمُضِيُّهُ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ وَمُلَازَمَتُهُ الْمِنْهَاجَ الْوَاحِدَ حَسَنٌ فِي آرَاءِ الْعُقَلَاءِ مِنْ التَّنَقُّلِ فِي الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ التَّنَقُّلَ، فَقَدْ صَارَ لِلْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ بَدْءًا هَذَا الضَّرْبُ مِنْ الرُّجْحَانِ، كَانَ أَوْلَى بِالثَّبَاتِ عِنْدَهُ.

وَلَا يَصِحُّ الْإِلْزَامُ عَلَى عِلَّةٍ مَنْصُوصَةٍ لِحُكْمٍ حُكْمًا آخَرَ غَيْرَ مَا جُعِلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِلَّةً لَهُ. نَظِيرُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ جَعَلَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ كَيْلًا فِي الْجِنْسِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ إيجَابُ الْعُشْرِ فِي كُلِّ مَكِيلِ جِنْسٍ.

وَمَنْ جَعَلَ عِلَّةَ نَقْضِ الطَّهَارَةِ (خُرُوجَ النَّجَاسَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَلْزَمَ عَلَيْهَا وُجُوبُ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحُكْمَ الْمَنْصُوصَ عَلَى الْعِلَّةِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ) وَوُجُوبُ الطَّهَارَةِ حُكْمٌ (آخَرُ) ، (غَيْرُ) نَقْضِهَا، بَلْ لَوْ جَعَلَ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ عِلَّةً لِإِيجَابِ الطَّهَارَةِ (عَلَى