Skip to content

التلخيص في أصول الفقه القائلين بالعموم مع اختلافهم في بعضها

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Printed page ٢/ ٢٣

فِيهِ أفْضى ذَلِك إِلَى انخراقها، وَهُوَ أَن من ظَهرت حَاجته واقتدر على دَفعهَا مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع وانصراف الصوارف وتوفر الدَّوَاعِي فَلَا يعقل فِي الْعَادة أَن لَا تدفع الْحَاجة، وَذَلِكَ كالعاطش الْوَاجِد للْمَاء الْبَارِد مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع واندفاع الصوارف فَإِذا توفرت الدَّوَاعِي فيشرب لَا محَالة.

وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن نقُول هَذَا الَّذِي ذكرتموه اسْتِدْلَال مِنْكُم فِي إِثْبَات اللُّغَات بِغَيْر النَّقْل، واللغات لَا تثبت إِلَّا نقلا، فَأَما طرق الِاسْتِدْلَال وسبل الاعتلال فَلَا يتَوَصَّل بهَا إِلَى تثبيت اللُّغَات أصلا وَأما مَا قَالُوهُ من عُمُوم الْحَاجة وَظُهُور الْمَعْنى فَهُوَ اعتصام مِنْهُم بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، فَإنَّا نقُول لَهُم: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم مَا اخْتَارُوا وضع اسْم لَهُ على التَّعْيِين مَعَ كل مَا ذكرتموه فَمَا دليلكم؟

[[٥٨٤] فَإِن قَالُوا: هَذَا يُؤَدِّي إِلَى خرق الْعَادَات كَمَا قدروه.

فَالْجَوَاب عَن ذَلِك من أوجه: أَحدهَا: أَن نقُول فَيلْزم على طرد ذَلِك أَن تثبت الْأَخْبَار الَّتِي لم تنقل، إِذا عرفنَا أَن مثل تِلْكَ الْحَادِثَة كَانَت تعم فِي الْعَصْر الخالية وَكَانَت الْحَاجة ماسة إِلَيْهِ، فَيجب أَن تقدر فِي كل مَا هَذَا سَبيله خَبرا عَن الرَّسُول ﷺ أَو أثرا عَن أَصْحَابه ﵃ وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. ثمَّ نقُول لَهُم: إِنَّمَا الْكَلَام فِي أصل وضع اللُّغَات، وأصل وَضعهَا غير منبئ عَن الْعَادَات فَإنَّا لَو أردنَا أَن نقدر فِي زَمَاننَا هَذَا اتِّفَاق جملَة أهل الْعَصْر على فعله وَاحِدَة مثل أَن يتَقَدَّر من كلهم الْقيام وَالْقعُود فِي حَالَة وَاحِدَة كَانَ ذَلِك خرقا للْعَادَة، والأسامي الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا أهل اللُّغَات ابْتِدَاء كَانَ تواطؤا مِنْهُم على معَان متجددة مَعَ اخْتِلَاف الإرادات وتباين القصود، فَتبين