Skip to content

النسخ عند الفخر الرازي الفصل الثالث النسخ بين المثبتين والنافين المثبتون وأدلتهم فى وجود النسخ

النسخ عند الفخر الرازي

محمود محمد الحنطور

Printed page ٣٧

تعالى قبل أمره له أنه يطيعه فى ما أمره به، ولكن المجازاة إنما تقع على الأعمال الموجودة، لا على علم الله بذلك- جل ذكره- قبل وجود طاعة الطائع ومعصية العاصى، وعلم أيضا أنه يفدى الذبيح بكبش بعد اضجاعه للذبح، فاستخرج منهما التسليم لأمره، والطاعة له فى ما أمرهما به، لتصح المجازاة على فعل موجود، والذبح من إبراهيم لابنه مأمور به وذبحه للكبش بدلا منه مأمور به أيضا، وكلاهما مراد لله تعالى وأمر، وكلام الله واحد لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف فى المأمور به فى وقتين مختلفين متقدمين فى علم الله قبل كل مخلوق، لم يسبق أحدهما الآخر، تعالى الله عن أن يكون ما لا يعلمه، وأن يبدو له ما لم يتقدم فى علمه (١).

فالقرآن الكريم يعلمنا أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل قد جاء مصدقا ومؤكدا لما قبله، فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن مصدق ومؤيد لهما، ولكل ما بين يديه من الكتب، تصديقا لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]. والواقع (٢) أن الإنجيل جاء بتعديل بعض أحكام التوراة، إذ أعلن عيسى- ﵇ أنه جاء ليحل لبنى إسرائيل بعض الذى حرم عليهم، وكذلك القرآن جاء بتعديل بعض أحكام الإنجيل والتوراة إذ أعلن أن محمدا- ﷺ جاء ليحل للناس كل الطيبات ويحرم عليهم كل الخبائث، ويضع عنهم