عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى (١). وقد صنف الشريف الهاشمي (٢) كتابًا كبيرًا، كان في أيام الملقب بالعزيز -ثاني خلفاء مصر- فبين فيه أصولهم أتم بيان، وأوضح كيفية ظهورهم وغلبتهم على البلاد، وتتبع ذكر فضائحهم، وما كان يصدر منهم من أنواع الزندقة والفسق والمخرقة، وما فعله هؤلاء من الانتساب إلى على ﵁، والتستر بالتشيع قد فعله القرامطة (٣)، وصاحب الزنج (٤) الخارج بالبصرة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، على ما عَرَف مِنْ سيرهم مَنْ وقَف على أخبار الناس. وكلهم كَذَبَةٌ في ذلك، وإنما غرضهم التقرب إلى العوام والجهال.
وذكر القاضي عبد الجبار (٥) أن الملقب بالمهدي -عليه ما يستحق- كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل؛ وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى ملك الروم، وسلطهم على المسلمين، وأكثر من الجود واستصفاء الأموال، وقتل الرجال. وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم، فيقولون لبعضهم: "هو المهدي ابن رسول الله ﷺ، وحجة الله على خلقه". ويقولون لآخرين: "هو رسول الله وحجة الله على خلقه". ويقولون لطائفة أخرى: "هو الله الخالق الرازق".
ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم (٦) مقامه، وزاد شره على شر أبيه أضعافًا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية وغيرها: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى". وبعث إلى أبي طاهر القرمطي (٧)، المقيم بالبحرين، وحثه على قتل المسلمين، وإحراق المساجد والمصاحف.