عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
وقال ابن كثير: وكان القطب النيسابوري جمع هذه العقيدة الأهله، وكان يَحْفَظُهَا ويُحَفِّظُهَا مَنْ عَقِلَ مِنْ أولاده، وكان يحب سماع القرآن العظيم ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه سمع في بعض المصافات جزءاً، وهو بين الصفين، ويتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثًا، وكان ذلك بإشارة العماد [الكاتب] (١). وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، كثير التعظيم لشعائر الدين، وكان قد لجأ إلى ولده الظاهر - وهو بحلب - شاب يقال له الشهاب، يعرف الكيمياء وشيئًا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولده وقربه وأحبه وخالف فيه حملة الشرع، وبلغ ذلك أباه السلطان، فكتب إليه أن أقتله لا محالة، فصلبه ولدُه عن أمر والده كما ذكرناه (٢) في سنة [ست] (٣) وثمانين وخمسمائة، ومن شدة محبته لسماع الحديث مضى إلى الإسكندرية، وسمع الحديث الكثير من الحافظ [١٦٥] السلَفِي ومن ابن عوف الموطأ، وكان مبغضاً لكتب الفلاسفة وأرباب المنطق ومن يُعَانِد الشريعة، وقال ابن كثير: وكان ﵀ قرأ مختصراً في الفقه تصنيف سُليم الرازي.
السادس في حلمه وأخلاقه الحسنة:
وكان حليماً كثير العفو والتجاوز عن أصحاب الذنوب، حسن الخلق صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه، وكان يوماً جالساً فرمي بعض المماليك بعضاً بسَرْموزة، فأخطأته، ووصلت إلى السلطان ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها. وقال القاضي بهاء الدين (٤): نفرت (٥) بغلتي يوماً من الجمال وأنا راكب في خدمته، فزحمت وركهـ حتى أقلقته من الوجع وهو يبتسم، وبُدلت في خزانته كيسان من الذهب المصرى بكيسين من الفلوس (٦). [فما عمل] (٧) للمباشرين شيئاً سوى صرفهم (٨).