عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
فلما بَصَر الفرنج بمدد العسكر قتلوهم خشية الاستنقاذ، وجرح خلق كثير من الطائفتين وخيل كثيرة، وكان للسلطان مملوك يسمّى أيبك [الساقي] (١) أثخن بالجراح حتى اندسّ بين القتلى وجراحاته تشخب دمًا، وبات ليلته أجمع على تلك الحالة إلى صبيحة يوم الثلاثاء، فتفقده أصحابُه فلم يجدوه، فَعرَّفوا السلطان فأنفذ من يكشف خبره، فوجدوه بين القتلى، فحملوه إلى المخيَّم، وعافاه الله، وعاد السلطان إلى المخيَّم يوم الأربعاء عاشر الشهر المذكور منصورا، فرحا مسرورا، جزاه الله خيرا (٢) [٧٠].
وقال ابن كثير (٣): وقتل مع زامل أمير العرب، الأمير حجىّ بن منصور بن ربيعة، والأمير مُطرف بن رفيع بن مُرّ بن ربيعة وآخر معهم (٤).
ذكر مسير الإفرنج إلى عكا والنزول عليها ورحيل السلطان إلى قِبَالتِهم
ولما وصل الخبر إلى السلطان أن العدو قد ركب نحو عكا، وذلك يوم الأربعاء ثامن رجب، وكان قد اجتمع بصور من أهل البلاد، التي أخذها السلطان بالأمان، خلق عظيم حتى صاروا في عالم لا يحصون كثرة، وأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون وصوّروا صورة المسيح وصورة عربيّ يضرب المسيح وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح، فخرجت النساء من بيوتهن ووصل من الفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة، وساروا إلى عكا من صور ونازلوها في منتصف رجب، وضايقوا عكا، وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق فسار إليهم السلطان [ونزل] (٥) قريبا من الإفرنج بمرج عكا على تل كيسان (٦).