Skip to content

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي

Printed page: 14/ 2 · Part 1 of 2

Text

الرد على الوعيدية بحديث المغفرة لأهل بيعة الرضوان قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل. وإذا قيل: إن هذا لأن أحداً من أولئك لم يكن له إلا صغائر لم يكن ذلك من خصائصه أيضاً، وعلى هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم]. هو المرجح العاشر من المرجحات التي تؤيد أن العاصي الذي نفي عنه الإيمان وأثبت له الإسلام عنده أصل الإيمان، وليس منافقاً، وهو ما يسمى بالفاسق الملي، وسبق أن المسألة فيها قولان لأهل العلم أحدهما: أن الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان منافقون، وإسلامهم إسلام في الظاهر، وهذا مذهب البخاري وجماعة، وقول طائفة من أهل السنة ومن أهل الكلام. القول الثاني: قول جمهور السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان معهم أصل الإيمان، ونفي عنهم الإيمان لكونهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، وقد ذكر المؤلف مرجحات كثيرة، وهذا المرجح العاشر يدل على أن العاصي إذا نفي عنه الإيمان يبقى معه أصل الإيمان. فقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم. والمراد بالشجرة: الشجرة التي بايع النبي ﷺ فيها الصحابة بيعة الرضوان على قتال المشركين، وهذا في صلح الحديبية، وذلك سنة ست من الهجرة لما أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، فلما قربوا من مكة منعتهم قريش من الدخول إلى مكة فنزلوا في الحديبية، والحديبية قرب حدود الحرم، وهي مكان على طريق جدة، فأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان يفاوضهم ويخبرهم أنه ما جاء لقتال وإنما جاء للعمرة، فاحتبست قريش عثمان ﵁، وشاع في الصحابة أن عثمان قد قتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة على الموت، وكانوا ألفاً وما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة، فلما سمعت قريش بأن النبي بايع الصحابة على الموت وقتالهم خافوا وأطلقوا عثمان، فسميت هذه البيعة بيعة الرضوان، وأنزل فيها قوله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. وقال ﵊ في هذا الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) هؤلاء الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة لهم مزية على غيرهم، كما أن من شهد بدراً له مزية، فأهل بدر قال فيهم النبي ﷺ: (وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ولهذا يقول العلماء: أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان. فقول النبي ﷺ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) استدل به المؤلف ﵀ على أن من وقع في معصية أو في كبيرة يبقى معه أصل الإيمان، ولهذا قال المؤلف ﵀: وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، والحسنة هي البيعة تحت الشجرة، فتغفر بها السيئات، وكذلك أيضاً شهود بدر. ففي حق حاطب بن أبي بلتعة في المرجح التاسع السابق قال النبي ﷺ: (وما يدريك إن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فشهود بدر حسنة عظيمة تغفر بها السيئات؛ ولهذا غفرت هذه السيئة التي حصلت من حاطب وهي مكاتبة المشركين، وإخبارهم بقدوم النبي ﷺ عليهم، وقد أنزل فيها الله تعالى صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]. وقال: في آخر آية من السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]. فهذه السيئة التي صدرت من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ غفرت بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر، كما أن الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفاً وأربعمائة حصلت لهم هذه الحسنة العظيمة، وهي البيعة تحت الشجرة، وهذه حسنة عظيمة تغفر بها السيئات، فدل هذا على أنه لو وقع من هؤلاء سيئة أنه يبقى معهم أصل الإيمان، وهي تدل على أن العاصي في الجملة يثبت له الإسلام، وينفى عنه الإيمان، وأنه يبقى معه أصل الإيمان. فتكون النصوص التي جاءت بإثبات الإسلام لأقوام ونفي الإيمان عنهم دليل على أن معهم أصل الإيمان وليسوا المنافقين كما ذهب إليه الجمهور، ولهذا قال المؤلف ﵀: هذه النصوص تقضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات.

Reading tools

Cite this page

This book has no printed page numbers; these are Shamela's own.

Shamela
«شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي» (١٤/ ٢ بترقيم الشاملة آليا)
Short
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي، ج ١٤، ص ٢.
Full
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي. شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي. ج ١٤، ص ٢، بترقيم الشاملة آليا.

Go to a printed page