شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية - الراجحي
Text
أوصاف المنافقين في سورة الأحزاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].
وذكر فيها شأنهم في الأحزاب، وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢] إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١] إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]].
ذكر الله تعالى هذه الآيات في أوصاف المنافقين وفي شأنهم، وهي في سورة الأحزاب، وسميت الأحزاب باسم غزوة الأحزاب التي تحزب فيها الكفار وتجمعوا من كل قوم حتى أحاطوا بالمدينة النبوية؛ للقضاء على الإسلام والمسلمين، قال الله تعالى في أول هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].
قوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أمر، وإذا كان النبي ﷺ مأموراً بالتقوى فغيره من باب أولى، وتقوى الله هي جماع الدين، وهي أصل الدين وأساس الملة، قال طلق بن حبيب: تقوى الله أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
فاجعل بينك وبين النار وغضب الله وقاية بالتوحيد وأداء الواجبات وترك المحرمات.
وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] نهى عن طاعة الكفار والمنافقين، وهذا يراد به التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي: إذا كان النبي ﷺ وهو المعصوم يوجه إليه هذا الخطاب فغيره من باب أولى، فالمؤمنون مأمورون بتقوى الله، ومأمورون بألا يطيعوا الكافرين والمنافقين، ومأمورون بالتوكل على الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣].
ثم بين الله ﷾ في هذه السورة أنه في وقت الشدائد والمحن في غزوة الأحزاب ظهر النفاق، وذلك أن غزوة الأحزاب حصل فيها محن وشدائد على المؤمنين، ورمتهم العرب عن قوس واحدة، وذلك أن بعض رؤساء اليهود ذهبوا إلى كفار قريش وحرضوهم على قتال النبي ﷺ وواعدوهم بأن يساعدوهم، وذهبوا إلى غيرهم من القبائل فاستجابوا لهم وتحزبوا وتجمعوا.
فجاءت قريش بقيادة أبي سفيان، وجاءت غطفان وغيرهم من العرب، وكان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود قد صالحهم النبي ﷺ، وهم: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فنقضت بنو النضير العهد فأجلوا، ونقضت بنو قريظة أيضاً، فكانت هذه الأيام شديدة على المسلمين.
ولكن الله ﷾ بعد ذلك فرج كربة المؤمنين، ونصرهم بالملائكة والريح بجنود لم يرها المسلمون؛ بسبب تقواهم، تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤].