موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام
المطلب الأول: استغاثتهم بالرسول ﷺ وغلوهم فيه بلا حد
أما بشأن الرسول ﷺ فالصيادي - والصوفية أيضاً - يعتقدون أن النبي ﷺ هو علة الوجود وغاية كل موجود، ولولاه لما خلق الله الأكوان. ومع ذيوع هذه الفكرة بين المتصوفة فإنها تتعارض مع علة خلق الوجود التي صرح بها القرآن الكريم وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].وهي تصرف الناس عن معرفة السبب الحقيقي في خلق الله لهم، وهو تحقيق توحيد الله في العبادة. وهم يظنون أنهم بذلك يعظمون النبي ﷺ ويرضونه ولا يدرون إنهم إنما يصرفون الناس عن معرفة الأصل الذي أرسله الله تعالى من أجله. يقول الصيادي في «نور الإنصاف» (١): «وليعلم أن النبي ﷺ هو .. العلة الغائية لخلق الخلق ومعرفة الحق». (٢) وقد زعم أن مجرد تسمية الرجل «محمد» كاف في دخول الجنة وأورد لذلك حديثا لا أصل له وفيه: ((إنه ينادي يوم القيامة مناد: ألا من اسمه محمد فليدخل الجنة)) (٣) (٤) ويذكر الرواس الرفاعي أن هذا الاسم المحمدي «ممدود على صحائف الأكوان من أم زيق الأزل إلى حاشية ذيل الأبد». (٥) وأنشد الصيادي يقول (٦):
أنت الذي لولاك ما كان الورى ... ولغير فهمك سره مجهول
وقال الواسطي (٧):
هو الذي خلق الله الوجود له ... هو الذي فضله جاءت به الكتب
لولاه لم تكن الأكوان كائنة ... ولم يكن للورى نسك ولا قرب
وأنت أرحم من لاذ المسيء به ... وخير من يرتجى أن جدت الكرب
صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس وأصبح نجم وهو محتجب
وقد شعر الصوفية بتناقض فكرة ربط علة خلق الكون بمحمد ﷺ مع فقدان هذه العلة بموته كما قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠]، حيث يعترض معترض ويقول: إذا كان الوجود مخلوقا من أجله فما قيمة هذا الوجود بعد موته ولأي غاية يبقى؟
فقالوا حينئذ بحياته حياة كحياته التي كان يحياها قبل موته من أكل وشرب ورقابة على الأكوان وتحكم في العوالم العلوية والسفلية وهو في قبره. وأنه يخرج ويزور الأولياء والصالحين، ويقضي بنفسه حوائج المحتاجين، ويغيث المستغيثين به. وتتجلى حقيقة الشرك واضحة عند الصوفية من خلال البيت الشعري الثالث من هذا المقطع والذي يجعل فيه الواسطي النبي ﷺ أرحم من يلوذ إليه المسيء وخير مرتجى عند حصول الكرب والشدة متناسيا بذلك أرحم الراحمين سبحانه، معرضا عن قول النبي نفسه ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) (٨). وعن قول الله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧]، وقوله: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٦٤].جاعلين رسوله ندا له. ولذلك يجعلون الله تعالى في أحد أبياتهم الشعرية ثالث الثلاثة فيقولون (٩):
حسبنا الله والنبي وهذا الـ ... غوث حصنا عن الجبال الرواسي
ناده لن تراع وأبشر إذا ما ... قلت غوثاه يا أبا العباس ... ...