موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام
المبحث الثاني: الحقيقة المحمَدية
شعبة من شعب الغلو الذي وقعت فيه الصوفية بل من شعب الكفر، وهو مزيج من الغلو في رسول الله ﷺ والتأثر بالفلسفة اليونانية في تقريرها لأول مخلوق، والتأثر بالنصرانية التي أضفت صفات الربوبية على المسيح ﵇.
والمشكلة أن هذه التي يسمونها (الحقيقة المحمدية) هي غموض كامل وعماء في عماء، ولأنها نشأت في الأصل من خيال مريض وأوهام ليس لها أي رصيد في الواقع، ولذلك نلاحظ أن أقوالهم في تعريفها أو الكلام عنها غامضة أيضاً، فالرسول ﷺ أول موجود وأول مخلوق وهو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره (١)، وهو الذي منه انشقت الأسرار ولا شيء إلا وهو به منوط (٢)، وهو عين الإيمان والسبب في وجود كل إنسان (٣). وكأن الصوفية لم يستسيغوا أن يقال: إن رسول الله ﷺ هو كما وصفه القرآن الكريم بشراً رسولاً وقد جعلوا أقطابهم تتصف بما وصف الله ﷾ نفسه، فكيف برسول الله ﷺ فابتدعوا ما أسموه (الحقيقة المحمدية) وعلى أساس هذه النظرية ندرك مغزى ما يقول البوصيري:
وكل آي أتى الرسل الكرامُ بها فإنما اتصلت من نوره بهم
وقوله:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
وقول ابن نباته المصري:
لولاه ما كان أرض ولا أفق ولا زمان ولا خلق ولا جبل وقد كان رسول الله ﷺ يخشى على أمته من الغلو فقال ﷺ محذراً: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله)) (٤). ولكن الذي فعله هؤلاء هو أكبر من الغلو، إنه الشرك والضلال، وإلا كيف تفسر قول الشيخ الدباغ " إن مجمع نوره لو وضع على العرش لذاب " (٥) وقول أبي العباس المرسي: " جميع الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا هو عين الرحمة " قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧] (٦). فانظر إلى هذا الاستنتاج العجيب.
إنها المضاهات بعينها، فإذا كان المسيح ابن الله عند النصارى فلماذا لا يخترع الصوفية (الحقيقة المحمدية)، وهذا ناتج نظريتهم في وحدة الوجود (٧).
ومن المؤسف أن المستشرق (نيكلسون) يتكلم في كتابه كلاماً صحيحاً عن شخصية الرسول ﷺ بينما غلاة الصوفية تاهوا في معمياتهم وسراديبهم، يقول: " إذا بحثنا في شخصية محمد ﷺ في ضوء ما ورد في القرآن، وجدنا الفرق شاسعاً بينهما وبين الصورة التي صور بها الصوفية أوليائهم، ذلك أن الولي الصوفي أو الإمام المعصوم عند الشيعة، قد وُصفا بجميع الصفات الإلهية، بينما وصف الرسول في القرآن الكريم بأنه بشر (٨) ".
المصدر:الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم