منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام
على من ذكر شيئاً غير ذلك، والمذهب الحنفي هو المذهب الرسمي لدولة المماليك، والسائد في عصرهم.
إلا أنه ﵀ لم يكن متعصبًا لمذهبه، بل كان متبعًا للدليل حيث كان، ولعل السبب في ذلك دراسته لعلم الحديث، وتتلمذه على أيدي كبار العلماء الذين لم يُعرفوا بالتعصب لمذاهبهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن سيد الناس، وغيرهما، وعدم تعصبه لمذهبه يظهر من عدة جوانب، من أهمها:
١ ـ أنه عارض أقوال الإمام أبي حنيفة النعمان ﵀ في بعض المسائل، فمن ذلك مسألة الوضوء بالأنبذة، قال في شرحه لسنن ابن ماجه: «وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيءٍ من الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني (١)، عن أبي العالية» (٢)، ومعارضته ﵀ لقول إمام مذهبه في هذه المسألة يدل على عدم تعصبه له.
٢ ـ انتصاره لمذهب المُحدِّثين، وتقديمه على المذهب الحنفي، في مسألة الوضوء مما مست النار، فقال في شرح حديث أبي هريرة ﵁: «تَوَضَّلُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (٣):
«وقال البيهقي في كتاب السنن الكبير: وذهب بعض أهل العلم، إلى أن حديث أبي هريرة - يعني هذا -، معلول بفتواه بعد وفاة النبي ﷺ؛ بألا وضوء منه. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما علم من مذاهب المُحدِّثين بأنّ العبرة بما روى لا بما رأى خلافًا للحنفيين» (٤)، وهذا نص صريح منه رحمه في تقديم مذهب أهل الحديث في هذه المسألة على مذهبه الحنفي.