Skip to content

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر الجزء الثالث باب التهذيب والتأديب

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Printed page ٤١٧

هو ممن يصح أن يتمنى شيئاً، فكل ما جعله المتنبي لممدوحه، جعله ابن نباتة لشاعر ممدوحه، وهذا الأدب من قول الله ﷾ على لسان إبراهيم ﵇: " الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين " فأسند أفعال الخير كلها لله، وأسند فعل الشر لنفسه، حسن أدب مع ربه. ﷺ.

ومثل ذلك قوله تعالى: " ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " مقتضى الصناعة أن يؤتى بتجنيس الازدواج في صدر الآية، كما أتى به في عجزها، لكنه منع منه توخي التأديب والتهذيب في نظم الكلام، وذلك أنه لما كان الضمير الذي في " ليجزي " عائداً على الله سبحانه، وجب أن يعدل عن لفظ المعنى الخاص إلى ردفه، حتى لا تنسب السيئة لله تعالى، فقال سبحانه في موضع.. " بالسيئة " " بما علموا " فعوض عن تجنيس المزاوجة الإرداف، لما في الإرداف من حسن الأدب مع الله تعالى، ليعلمنا ذلك، ولما كان قوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " قد أمن فيه هذا المحذور، أتى الكلام فيه على مقتضى الصناعة، والله أعلم.

ومن أحسن ما وقع في هذا قوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " لأنه سبحانه أدمج وهو أعلم في هذا الكلام