Skip to content

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر الجز الثاني باب الترشيح

تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر

ابن أبي الأصبع

Printed page ٢٧١

باب الترشيح

وهو أن يؤتى بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن حتى يؤتى بلفظة تؤهلها لذلك كما حكيناه عن علي ﵇ في قوله للأشعث بن قيس: " وهذا كان أبوه ينسج الشمال باليمين "، فإنهن ﵇ لو قال ينسج الشمال بيده أو ينسج الشمال وسكت لم يكن في لفظة الشمال تورية ألبتة فلما قصد التورية عدل عن لفظ اليد، وعن الاقتصار على ما قبلها وأتى بلفظ اليمين ليرشح لفظة الشمال للتورية، ولا ينتقد علينا مجيء الآية الواحدة، والبيت الواحد شاهداً على عدة أبواب من المحاسن، فإن ذلك بحسب ما يكون في الكلام من البديع، فإن قيل: فما الفرق بين الترشيح والاستعارة، والتورية، وقد جعلت مثالهما واحداً؟ قلت: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:

أحدها أن من التورية ما لا يحتاج إلى ترشيح، وهي التورية المحضة.

والثاني أن الترشيح لا يخص التورية دون بقية الأبواب، بل يعم الاستعارة والطباق وغيرهما من كثير من الأبواب، ألا ترى إلى قول أبي الطيب كامل:

وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما