Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٥/ ٤٥٣

قال أبو عُمر: هذا يدُلُّ على أنهما أوكَدُ من الوَتر؛ لأنَّ الوترَ من صلاةِ الليل، فإنما هو وَترُ صلاةِ الليل، وصلاةُ الليل نافلةٌ بإجماع المسلمين، وقال اللهُ ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].

فلمّا كان رسولُ الله ﷺ أشدَّ تعاهُدًا ومواظبةً وإسراعًا إلى رَكْعتَي الفجرِ منه إلى سائرِ النوافل -دَلَّ على تأكيدِها، وإنما تُعرَفُ مؤكَّداتُ السُّنَن بمواظبةِ رسولِ الله ﷺ عليها، لأنَّ أفعالَه كلَّها سُنَن، صلواتُ الله وسلامُه عليه، ولكنَّ بعضَها أوكَدُ من بعض، ولا يُوقَفُ على ذلك إلا بما واظبَ عليه، ونَدَبَ إليه منها، وبالله التوفيق.

وممن قال: إنَّ رَكْعتَي الفَجْر سُنّة مؤكَّدة: مالكٌ فيما روَى عنه أشهَبُ، وعليُّ بنُ زياد. وهو قولهما، وقولُ الشافعيّ، وأحمدَ بنِ حنبل، وإسحاق، وداود، وجماعةِ أهلِ الفقهِ والأثر، فيما علِمتُ، لا يختلفون في ذلك (١). واستدلَّ بعضُهم على تأكيدِها بقضاءِ رسولِ الله ﷺ لها حينَ نام عن صلاةِ الفَجْر (٢)، ولم يَقضِ شيئًا من السُّنَن غيرَها بعدَ انقضاءِ وقتِها.

حدَّثنا عبدُ الوارث (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن قتادة، عن زُرارةَ بنِ أوفَى، عن سَعْدِ بنِ هشام، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ: "رَكْعتا الفَجْر خَيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (٤).