Skip to content

الحاوي للفتاوي آخر العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Printed page ٢/ ٤٣

يَدْرِي عَاقِبَتَهُ فَهُوَ بِالتَّعْزِيَةِ أَوْلَى مِنَ التَّهْنِئَةِ، وَجَاءَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ شَرَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شَرِبْتَهُ لَمْ تَمُتْ فَشَاوَرَ جُنْدَهُ إِلَّا الْقُنْفُذَ فَإِنَّهُ كَانَ غَائِبًا، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَهُ، فَأَرْسَلَ الْفَرَسَ خَلْفَ الْقُنْفُذِ فَلَمْ يُجِبْهَا، فَأَرْسَلَ الْكَلْبَ خَلْفَهَا فَأَجَابَهُ، فَسَأَلَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ الشَّرَابِ فَقَالَ: لَا تَشْرَبْهُ فَإِنَّ الْمَوْتَ فِي عِزٍّ خَيْرٌ مِنَ الْبَقَاءِ فِي سِجْنِ الدُّنْيَا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَأَرَاقَ الشَّرَابَ فِي الْبَحْرِ فَطَابَ مَاؤُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ أَطَعْتَ الْكَلْبَ دُونَ الْفَرَسِ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا تَعْدُو بِصَاحِبِهَا وَبِغَيْرِهِ، وَالْكَلْبُ لَا يُطِيعُ إِلَّا صَاحِبَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَحَبَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ ثَلَاثٌ» ".

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَى أَيُّوبَ ﵇ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ؟ قِيلَ: جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الدُّودِ الَّذِي أَكَلَهُ، فَالْجَرَادُ خِلْعَةُ الطَّائِعِ وَعُقُوبَةُ الْعَاصِي ; لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ تُلْقَى ذُنُوبُهُ فِي الْبَحْرِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنْهَا التِّمْسَاحَ، فَإِذَا مَاتَ التِّمْسَاحُ صَارَ دُودًا ثُمَّ جَرَادًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْأَدَبِ مِنْ كِتَابِ الْمَوْتِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ طِينَةِ آدَمَ ﵇، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الدُّنْيَا مِيرَاثُ الْغَرُورِ، وَمَسْكَنُ الْبَطَّالِينَ، وَسُوقُ الرَّاغِبِينَ، وَمَيْدَانُ الْفَاسِقِينَ، وَسِجْنُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَزْبَلَةُ الْمُتَّقِينَ - زَادَ مُؤَلِّفُهُ ﵀ وَمَزْرَعَةٌ لِلْعَالِمِينَ.

فَائِدَةٌ: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا» ، وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «الْعَصَا عَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ وَسُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ عَصًا مِنْ لَوْزٍ مَرَّ " أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ سَبُعٍ ضَارٍ، وَلِصٍّ عَاصٍ، وَمِنْ كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَكَانَ مَعَهُ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْمُعَقِّبَاتِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، حَتَّى يَرْجِعَ وَيَضَعَهَا» ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ «: " مَنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَمْ يَأْخُذِ الْعَصَا عُدَّ لَهُ مِنَ الْكِبَرِ وَالْعُجْبِ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «لَيْسَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ وَلَا الْآخِرَةَ لِلدُّنْيَا، وَلَكِنَّ خَيْرَكُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ لِهَذِهِ» .

لَطِيفَةٌ: «قَالَ أَنَسٌ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵇ فَرَأَيْنَا طَيْرًا أَعْمَى يَضْرِبُ بِمِنْقَارِهِ عَلَى شَجَرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: " أَتَدْرِي مَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْعَدْلُ وَقَدْ حَجَبْتَ عَنِّي بَصَرِي وَقَدْ جُعْتُ، فَأَقْبَلَتْ جَرَادَةٌ فَدَخَلَتْ فِي فِيهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِمِنْقَارِهِ عَلَى الشَّجَرَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: أَتَدْرِي مَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ» .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «مَنْ