Skip to content

الزواجر عن اقتراف الكبائر الكبيرة الثامنة والخمسون بعد الثلاثمائة الزنا

الزواجر عن اقتراف الكبائر

ابن حجر الهيتمي

Printed page ٢/ ٢١٢

وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: «مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالرَّاتِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَسَلِمُوا جَمِيعًا» . تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ وَمَا قَبْلَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَإِذَا سَبَقَ فِي الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ مَا مَرَّ فَكَيْفَ بِالْحَاكِمِ إذَا تَرَكَهُ مُدَاهَنَةً أَوْ تَسَاهُلًا.

[الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ الزِّنَا]

(الْكَبِيرَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: الزِّنَا أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٢٢] ، وَصَفَ تَعَالَى النِّكَاحَ الَّذِي هُوَ زِنًا فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ بِأَوْصَافٍ ثَلَاثَةٍ، وَالزِّنَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِوَصْفَيْنِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ أَفْحَشُ وَأَقْبَحُ؛ لِأَنَّ زَوْجَةَ الْأَبِ تُشْبِهُ الْأُمَّ فَكَانَتْ مُبَاشَرَتُهَا مِنْ أَفْحَشِ الْفَوَاحِشِ، لِأَنَّ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ مِنْ أَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلَاءِ.

فَالْفَاحِشَةُ أَقْبَحُ الْمَعَاصِي، وَالْمَقْتُ بُغْضٌ مَقْرُونٌ بِاسْتِحْقَارٍ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْفَاحِشَةِ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ ﷿ فِي حَقِّ الْعَبْدِ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْخِزْيِ وَالْخَسَارِ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٢٢] لِأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْهُ كَانَ مُنْكَرًا فِي قُلُوبِهِمْ مَمْقُوتًا عِنْدَهُمْ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ مَقِيتٌ، وَكَانَ فِي الْعَرَبِ قَبَائِلُ اعْتَادَتْ أَنْ يَخْلُفَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ وَكَانَتْ هَذِهِ السِّيرَةُ فِي الْأَنْصَارِ لَازِمَةً وَفِي قُرَيْشٍ مُبَاحَةً مَعَ التَّرَاضِي.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْقُبْحِ ثَلَاثَةٌ: عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَعَادِيٌّ؛ ﴿فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] إشَارَةٌ