Skip to content

الزواجر عن اقتراف الكبائر الكبيرة الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة بعد الثلاثمائة امتناع القن مما يلزمه من خدمة سيده وامتناع السيد مما يلزمه

الزواجر عن اقتراف الكبائر

ابن حجر الهيتمي

Printed page ٢/ ١٤٠

وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُ الْهِرِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُؤْذٍ عَمْدًا مِنْ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ. الْحَدِيثَ، وَيَلْحَقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا انْتَهَى. وَالْقَتْلُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْإِيذَاءُ الشَّدِيدُ كَالضَّرْبِ الْمُؤْلِمِ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّ تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ وَخِصَاءَ الْعَبْدِ وَتَعْذِيبَهُ ظُلْمًا أَوْ بَغْيًا مِنْ الْكَبَائِرِ وَيُقَاسُ بِالْعَبْدِ غَيْرُهُ، نَعَمْ الْحَيَوَانُ الْمَذْكُورُ يَجُوزُ خِصَاءُ صَغِيرِهِ لِمَصْلَحَةِ سَمْنِهِ وَطِيبِ لَحْمِهِ، وَبِأَنَّ سُوءَ الْمَلَكَةِ لِلرَّقِيقِ وَالْبَهَائِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْضًا.

وَلَمَّا فَرَغْت مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَطَالَ فِيهِ، فَأَحْبَبْت تَلْخِيصَ مَا زَادَ بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْته وَإِنْ كَانَ فِي خِلَالِهِ شَيْءٌ مِمَّا قَدَّمْته.

قَالَ: الْكَبِيرَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ الِاسْتِطَالَةُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْجَارِيَةِ وَالزَّوْجَةِ وَالدَّابَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] فَالْإِحْسَانُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ بِالْبِرِّ، وَبِالْيَتَامَى بِالرِّفْقِ وَالتَّقْرِيبِ وَمِسْحِ الرَّأْسِ، وَبِالْمَسَاكِينِ بِإِعْطَاءِ الْيَسِيرِ أَوْ الرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى هُوَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ فَلَهُ حَقُّهَا وَحَقُّ الْجِوَارِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْجَارُ الْجُنُبِ هُوَ الْأَجْنَبِيُّ وَلَهُ الْحَقَّانِ الْأَخِيرَانِ، وَالصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ فَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الصُّحْبَةِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ: يُرِيدُ الْمَمْلُوكَ يُحْسِنُ رِزْقَهُ وَيَعْفُو عَنْهُ فِيمَا يُخْطِئُ، وَمِنْ ثَمَّ رَفَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَوْطًا عَلَى أَمَةٍ لَهُ زِنْجِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا الْقِصَاصُ لَأَغْشَيْتَكِيهِ، وَلَكِنْ سَأَبِيعُك لِمَنْ يُوفِينِي ثَمَنَك اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ.

«وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي قُلْت لِأَمَتِي يَا زَانِيَةُ. قَالَ: وَهَلْ رَأَيْت عَلَيْهَا ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَمَا إنَّهَا سَتُقِيدُ مِنْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَرَجَعَتْ الْمَرْأَةُ إلَى جَارِيَتِهَا فَأَعْطَتْهَا سَوْطًا وَقَالَتْ اجْلِدِينِي فَأَبَتْ الْجَارِيَةُ فَأَعْتَقَتْهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِعِتْقِهَا فَقَالَ عَسَى» أَيْ عَسَى أَنْ يُكَفِّرَ عِتْقُك إيَّاهَا مَا قَذَفْتهَا بِهِ، وَكَانَ ﷺ يُوصِي بِهِمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّنْيَا كَمَا مَرَّتْ أَحَادِيثُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ مَلَّكَكُمْ إيَّاهُمْ وَلَوْ شَاءَ لَمَلَّكَهُمْ إيَّاكُمْ» .