Skip to content

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا سنة خمس عشرة وخمسمائة

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Printed page ٣/ ٦٧

فلمّا صار التابوت فى وسط الإيوان همّ الخليفة بأن يترجل، فسارع إليه القائد والمرتضى، وصاح الناس بأجمعهم: العفو يا أمير المؤمنين. عدّة مرار. فترجّل الخليفة على الكرسىّ، وصلّى عليه، ورفع التابوت فمشى وراءه، وركب الخليفة الفرس على ما كان عليه؛ ونزل التربة ظاهر باب النّصر ووقف على شفير القبر إلى أن حضر التابوت.

واستفتح ابن القارح المغربى وقرأ: «وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» (١) الآية. فوقعت من الناس موقعا عظيما (٢)، وبكوا، وبكى الخليفة، وهمّ بنزول القبر ليلحده بيده؛ ثم أمر الدّاعى فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت مواراته، ثم ركب من التّربة والنّاس بأجمعهم بين يديه إلى قصره.

وأخرج من قاعة الفضّة بالقصر ثلاثون حسكة، وثلاثون بخورا مكمّلة، وخمسون مثقال ندّ وعود، وشمع كثير، فأشعلت الشموع إلى أن صلّى الصّبح وأطلق البخور، واستقرّ جلوس النّاس؛ فصلّى القاضى بالنّاس، وفتح باب مجلس الأفضل المعلّق بالسّتور الفرقوبى الذى لم يكن حظّه منه إلا جوازه عليه قتيلا. ورفعت السّتور، وجلس الخليفة على المخادّ الطّريّة التى عملت فى وسطه؛ وسلّم النّاس على منازلهم، وتلى القرآن العظيم.

وتقدّمت الشعراء فى رثائه إلى أن استحقّ الختم فختم. ثم خرج القائد والأمراء إلى التّربة فكان بها مثل ما كان بالدّار من الآلات والبخور. وعمل فى اليوم الثانى كذلك.

وكان عمر الأفضل يوم مات سبعا وخمسين سنة، ومدّة ولايته ثمانية وعشرون عاما.