Skip to content

تعظيم الله جل جلاله «تأملات وقصائد» تأملات وفي أنفسكم أفلا تبصرون

تعظيم الله جل جلاله «تأملات وقصائد»

أحمد بن عثمان المزيد

Printed page ٥٩

وفي أنفسِكم أفلا تُبصرون

تفكَّرْ في نفسِك أيُّها الإنسانُ .. أين كنتَ؟ وكيف جئتَ؟ ومم خلقتَ؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ* ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ* ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَانَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦].

فالإنسانُ إذا تفكَّر بعقلِه في نفسِه رآها مدبَّرةً وعلى أحوالٍ شتَّى مُصَرَّفة .. كان نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم لحمًا وعظمًا .. فيعلمُ ـ بهذا الفكرِ ـ أنه لم ينتقِلْ من حالِ النقصِ إلى حالِ الكمالِ، لأنَّه لا يقدرُ على أن يحدثَ لنفسِه في الحالٍ الأفضلِ التي هي كمالُ عقلِه وبلوغِ أشدِّه عُضْوًا من الأعضاءِ، ولا يمكنُه أن يزيد في جوارحِه جارحةً، فيدلُّه ذلك على أنه في حالِ نقصِه وأوانِ ضعفِه على فِعل ذلك أعجزُ.

وقد يرى نفسَه شابًّا ثم كهلًا، ثم شيخًا وهو لم ينقِلْ نفسَه من حالِ الشبابِ والقوةِ إلى حالِ الشيخوخةِ والهرمِ، ولا اختارَه لنفسِه، ولا في وُسْعِه أن يزايلَ حالَ المشيبِ ويراجعَ قوةَ الشبابِ.

فيعلمُ بذلك أنه ليس هو الذي فعلَ تلكَ الأفعالَ بنفسِه، وأنَّ له صانعًا صنَعَه، وناقلًا نَقَلَهُ من حالٍ إلى حالٍ، ولولا ذلك لم تتبدلْ أحوالُه بلا ناقلٍ ولا مدبرٍ.