الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس
وفيها كانت غزوة تبوك (١) وهي غزوة العسرة لوقوعها في زمن الحر والبلاد مجدبة والناس في عسرة، فأنفق أبو بكر جميع ماله، وأنفق عثمان نفقة عظيمة، وسار النبي، ﷺ، إلى تبوك واستخلف عليا، ﵁، فقال علي: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي (٢)، وتخلف عبد الله بن أبي المنافق (٣) ومن تبعه من أهل النفاق، وتخلف ثلاثة من الصحابة وهم: كعب بن مالك (٤) ومرارة بن الربيع (٥) وهلال بن أمية (٦) ولم يكن لهم عذر.
ثم رجع النبي، ﷺ، إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس.
فلما فعل ذلك جاءه (٧) المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون (٨)، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله، ﷺ، علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله (٩)، ثم جاءه كعب، وكان تقدمه مرارة وهلال، فسألهم عن تخلفهم، فاعترفوا أن لا عذر لهم، فأمرهم بالمضي حتى يقضي الله فيهم، ونهى النبي، ﷺ، المسلمين عن كلامهم من بين من تخلف عنه، فاجتنبهم الناس، فلبثوا على ذلك خمسين ليلة. ولما مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرهم النبي، ﷺ، باعتزال نسائهم، وجاءت امرأة هلال لرسول الله (١٠)، ﷺ، تستأذنه في خدمته، فأذن لها من غير أن يقربها، فلما كملت لهم خمسون ليلة من حين نهي رسول الله، ﷺ، عن كلامهم، أذن لهم رسول الله، ﷺ، بتوبة الله عليهم، وذهب الناس يبشرونهم، وجاء كعب إلى النبي، ﷺ، فسلم عليه (١١)، فقال له، وهو يبرق وجهه من