فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4
يَغْطِسَ فِي المَاءِ، وَيُغَيِّبَ فِيهِ رَأْسَهُ. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ سِتْرٌ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسِتْرٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَقُومُ مَقَامَ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ بِالجحْفَةِ: تَعَالَ أُبَاقِيك أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فِي المَاءِ. وَقَالَ: رُبَّمَا قَامَسْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالجحْفَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسِتْرٍ مُعْتَادٍ، أَشْبَهَ صَبَّ المَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ وَضْعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُالله ابْنُ حُنَيْنٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَأَتَيْته وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُالله بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إلَيْك عَبْدُالله بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُك: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: صُبَّ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
قال: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المُحْرِمَ يَغْتَسِلُ مِنْ الجنَابَةِ. اهـ
قلتُ: وأثر عمر مع ابن عباس في البقاء تحت الماء أثرٌ صحيح، أخرجه البيهقي (٥/ ٦٣)، من طريق الشافعي، وهو في المسند (٥٣٦) عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٣) عن ابن علية، عن عبد الكريم به.