تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، قال: أمرهم الله [¬١] أن يشرفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ﴾ الآية [¬٢] وهذا [¬٣] كله من باب الأدب [¬٤] [في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه، وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته] [¬٥].
والقول الثاني في ذلك: أن المعنى في: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فأحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله [¬٦] أعلم.
وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، قال مقاتل بن حَيَّان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -ويعني بالحديث: الخطبة- فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا في المسجد، وكان [¬٧] لا يصلح [¬٨] للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ﷺ في يوم الجمعة، بعد ما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشارَ بأصبعه إلى النبي ﷺ فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم [¬٩] كان إذا تكلم والنبي ﷺ يخطب، بطلتْ جُمعته.
وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم.
وقال قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [يعني: لوذًا عن نبي الله وعن كتابه.