الطبقات الكبرى - ط الخانجي
قال جرير: فذكرتُ بُعْدَ البلد، وإن خرجتُ على الإبل أبطأتُ، قلت ليس يشبه جرائد الخيل، وكنت لا فروسة لي، قد خبرت نفسي: ما ركبتُ فرسًا إلا صَرَعني فأكون منه ضمنًا، فتركتُ ركوب الخيل حتى كان الحي يمازحوني بذلك ويقولون: اركب الحمار والبعير، فذكرتُ ذلك لرسول الله، ﷺ، فضربَ في صدري حتى رأيتُ أثر أصابعه في صدري، ثم قال: اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا.
قال جرير: فقمتُ من عنده، والذي بَعثه بالحق ولكأني غير الذي كنت أعرف من نفسي، عمدتُ إلى فرس لرجل من أصحابي شَموس فركبته، ثم انطلقت عليه أشوره، فذل تحتي حتى كأنه شاة، فحمدتُ الله، ونفرتُ في خمسين ومائة رجل من أحمس، وكانوا أصحاب خَيل في الجاهلية، إنما يغيرون عليها ويُغار عليهم، فَقَلَّ ما أُصيب لهم نَهب إلا تخلصوه لنَجَابة خيلهم وفروسيتهم، وقَلَّ ما أصابوا نهبًا فأُدْرِكوا حتى يدخلوا مَأْمَنَهم.
قال جرير: فانتهيتُ إلى ذي الخلصة فإذا قومٌ ممسكون بالشرك يقولون: أنتم تقدرون عليها؟ قال: فقلتُ: سَتَرَوْنَ إن شاء الله. فأتناول قَبسًا من نار، وصِحْتُ بأصحابي يحملون الحشيش اليابس وهو حولنا ركام، ثم أضرمته عليه حتى صار الصنم مجردًا من كل ما كان عليه مثل الجَمَل الجَرب قد هُنِئ بالقَطِرَان.
قال: وبَعَثْتُ بشيرًا إلى النبي، ﷺ، يقال له أبو أَرْطَاة واسمه حسين بن ربيعة فقلت له: أجِدَّ السَّيْرَ حتى تقدم على رسول الله، ﷺ، فتخبره بهدمها، قال: فركب فأغذّ السّير حتى قدم على رسول الله، ﷺ، فجعل يخبره والنبي، ﷺ، يقول: أفهدمتموها؟ فجعل يقول: نعم والذي بعثك بالحق، ما جئتك حتى تركتها كأنها جَمَلٌ أجْرَب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني مَروان بن معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن قَيْس بن أبي حازم: أن النبي، ﷺ، برّك يومئذ على خَيْل أحمس ورجالها، يعني حيث قدم من هدم ذي الخلصة، وكان رسول الله، ﷺ، بعثه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبي