تخطَّ إلى المحتوى

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني تفضيل بعض الأيام والشهور على بعض

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

الصفحة المطبوعة ١/ ٥٩

عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ يَقْصِدُونَ تَخْصِيصَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَلَا يَذْكُرُونَهَا، وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ أَيَّ لَيْلَةٍ كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ ﷺ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُشْرَعْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلَا ذَلِكَ الْمَكَانِ بِعِبَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، بَلْ غَارُ حِرَاءٍ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِنُزُولِ الْوَحْيِ وَكَانَ يَتَحَرَّاهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقْصِدْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ، وَلَا خُصَّ الْيَوْمُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْوَحْيُ بِعِبَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا خُصَّ الْمَكَانُ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِالْوَحْيِ وَلَا الزَّمَانُ بِشَيْءٍ، وَمَنْ خَصَّ الْأَمْكِنَةَ وَالْأَزْمِنَةَ مِنْ عِنْدِهِ بِعِبَادَاتٍ لِأَجْلِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ جَعَلُوا زَمَانَ أَحْوَالِ الْمَسِيحِ مَوَاسِمَ وَعِبَادَاتٍ، كَيَوْمِ الْمِيلَادِ، وَيَوْمِ التَّعْمِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ. وَقَدْ ( «رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ جَمَاعَةً يَتَبَادَرُونَ مَكَانًا يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ ، قَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِكُمْ مَسَاجِدَ؟! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَإِلَّا فَلْيَمْضِ» ) .

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ أَفْضَلُ لَهُمْ، وَلَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ لَهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( «لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَا تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ) وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ أوس بن أوس ( «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» ) .