تخطَّ إلى المحتوى

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني فصل يقدم الأب في ولاية المال والنكاح وتقدم الأم في ولاية الحضانة والرضاع

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

الصفحة المطبوعة ٥/ ٣٩٥

فَإِنْ قِيلَ: الْخَالَةُ تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْعَمَّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ، فَكَمَا قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، قُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَيَزِيدُهُ بَيَانًا كَوْنُ الْخَالَةِ أُمًّا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَالْعَمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ.

قِيلَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمِ الْأُمَّ عَلَى الْأَبِ لِقُوَّةِ الْأُمُومَةِ وَتَقْدِيمِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى، فَإِذَا وُجِدَ عَمَّةٌ وَخَالَةٌ فَالْمَعْنَى الَّذِي قُدِّمَتْ لَهُ الْأُمُّ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَامْتَازَتِ الْعَمَّةُ بِأَنَّهَا تُدْلِي بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ قُرَابَةُ الْأَبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ ( «قَضَى بابنة حمزة لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: الْخَالَةُ أُمٌّ» ) حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُزَاحِمٌ مِنْ أَقَارِبِ الْأَبِ تُسَاوِيهَا فِي دَرَجَتِهَا.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ لَهَا عَمَّةٌ وَهِيَ صفية بنت عبد المطلب أُخْتُ حمزة، وَكَانَتْ إِذْ ذَاكَ مَوْجُودَةً فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهَا هَاجَرَتْ، وَشَهِدَتِ الْخَنْدَقَ، وَقَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ الَّذِي هِيَ فِيهِ، وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَبَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عمر ﵁، فَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَالَةَ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمِّ عَلَى مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ.

قِيلَ إِنَّمَا يَدُلُّ هَذَا إِذَا كَانَتْ صفية قَدْ نَازَعَتْ مَعَهُمْ وَطَلَبَتِ الْحَضَانَةَ فَلَمْ يَقْضِ لَهَا بِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا وَقَدَّمَ عَلَيْهَا الْخَالَةَ، هَذَا إِذَا كَانَتْ لَمْ تُمْنَعْ مِنْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا، فَإِنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، فَيَكُونُ لَهَا وَقْتَ هَذِهِ الْحُكُومَةِ بِضْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَرَكَتْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا، وَلَمْ تَطْلُبْهَا مَعَ قُدْرَتِهَا، وَالْحَضَانَةُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ، فَإِذَا تَرَكَتْهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى غَيْرِهَا.

وَبِالْجُمْلَةِ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمَّةِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ صفية خَاصَمَتْ فِي ابْنَةِ أَخِيهَا وَطَلَبَتْ كَفَالَتَهَا، فَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَالَةَ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.