تخطَّ إلى المحتوى

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني سمك

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

الصفحة المطبوعة ٤/ ٢٩٩

حَدِيثِ عبد الله بن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» ) .

أَصْنَافُ السَّمَكِ كَثِيرَةٌ، وَأَجْوَدُهُ مَا لَذَّ طَعْمُهُ، وَطَابَ رِيحُهُ، وَتَوَسَّطَ مِقْدَارُهُ، وَكَانَ رَقِيقَ الْقِشْرِ، وَلَمْ يَكُنْ صُلْبَ اللَّحْمِ وَلَا يَابِسَهُ، وَكَانَ فِي مَاءٍ عَذْبٍ جَارٍ عَلَى الْحَصْبَاءِ، وَيَغْتَذِي بِالنَّبَاتِ لَا الْأَقْذَارِ، وَأَصْلَحُ أَمَاكِنِهِ مَا كَانَ فِي نَهْرٍ جَيِّدِ الْمَاءِ، وَكَانَ يَأْوِي إِلَى الْأَمَاكِنِ الصَّخْرِيَّةِ، ثُمَّ الرَّمْلِيَّةِ، وَالْمِيَاهِ الْجَارِيَةِ الْعَذْبَةِ الَّتِي لَا قَذَرَ فِيهَا، وَلَا حَمْأَةَ، الْكَثِيرَةِ الِاضْطِرَابِ وَالتَّمَوُّجِ، الْمَكْشُوفَةِ لِلشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ.

وَالسَّمَكُ الْبَحْرِيُّ فَاضِلٌ، مَحْمُودٌ، لَطِيفٌ، وَالطَّرِيُّ مِنْهُ بَارِدٌ رَطْبٌ، عَسِرُ الِانْهِضَامِ، يُوَلِّدُ بَلْغَمًا كَثِيرًا، إِلَّا الْبَحْرِيَّ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، فَإِنَّهُ يُوَلِّدُ خَلْطًا مَحْمُودًا، وَهُوَ يُخَصِّبُ الْبَدَنَ، وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيِّ، وَيُصْلِحُ الْأَمْزِجَةَ الْحَارَّةَ.

وَأَمَّا الْمَالِحُ، فَأَجْوَدُهُ مَا كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالتَّمَلُّحِ، وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ، وَكُلَّمَا تَقَادَمَ عَهْدُهُ ازْدَادَ حَرُّهُ وَيُبْسُهُ، وَالسِّلَّوْرُ مِنْهُ كَثِيرُ اللُّزُوجَةِ، وَيُسَمَّى الْجِرِّيَّ، وَالْيَهُودُ لَا تَأْكُلُهُ، وَإِذَا أُكِلَ طَرِيًّا، كَانَ مُلَيِّنًا لِلْبَطْنِ، وَإِذَا مُلِّحَ وَعُتِّقَ وَأُكِلَ، صَفَّى قَصَبَةَ الرِّئَةِ، وَجَوَّدَ الصَّوْتَ، وَإِذَا دُقَّ وَوُضِعَ مِنْ خَارِجٍ، أَخْرَجَ السَّلَى وَالْفُضُولَ مِنْ عُمْقِ الْبَدَنِ مِنْ طَرِيقِ أَنَّ لَهُ قُوَّةً جَاذِبَةً.

وَمَاءُ مِلْحِ الْجِرِّيِّ الْمَالِحِ إِذَا جَلَسَ فِيهِ مَنْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةُ الْأَمْعَاءِ فِي