قرآن غاليري المدونة · المقالات
لماذا لم يقترن اسما الله الكبير والعظيم في القرآن قط؟
غالبًا ما يُذكر اسما الله «الكبير» و«العظيم» معًا كأنهما قرينان، غير أن القرآن الكريم لم يجمع بينهما في موضع واحد قط. بل اقترن كلاهما باسم ثالث، وهو «العلي»، في آيات تتشابه في بنيتها. يتتبع هذا المقال الحكمة من هذا الاقتران، وما يغرسه في قلب الراكع خضوعًا لله.
قراءة 5 دقيقة2 مصدرNames of Allah
الكاتب:فريق معرض القرآن
في العديد من التأملات التي تُكتب بمناسبة شهر ذي الحجة، يُذكر اسما الله «الكبير» و«العظيم» معًا، وكأن القرآن نفسه يعاملهما كقرينين؛ فهما كلمتان تدوران حول المعنى ذاته للعظمة والاتساع، ويُذكران في سياق واحد لتقارب معناهما. ولكن، إن بحثت عن هذا الاقتران في المصحف الشريف، فلن تجد له أثرًا. فلا توجد آية واحدة تجمع بين «الكبير» و«العظيم». بل يقترن كل منهما باسم آخر، والمفارقة أن هذا الاسم الآخر هو ذاته في كلتا الحالتين.
الاسم الذي يقترن به «الكبير»
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ — سورة الحج، 22:62
تتكرر هذه الخاتمة نفسها — «العلي» ثم «الكبير» — في نهاية مشهد القلوب الفزعة يوم القيامة في الآية 34:23، وتُعاد بالكلمات ذاتها تقريبًا في الآية 31:30، وتعود مرة أخرى في الآية 40:12 حيث تحسم الجدال حول لمن يكون الحكم الحق. أربع آيات منفصلة، وأربعة سياقات مختلفة، وكل منها يُختتم بالاسمين ذاتهما وبالترتيب نفسه. فحيثما يُذكر اسم الله «الكبير» على هذا النحو، تجد اسم «العلي» يقف بجانبه مباشرة. ولا يقترن بـ «العظيم» أبدًا.
الاسم الذي يقترن به «العظيم»
لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ — سورة الشورى، 42:4
وتُختتم بالكلمتين ذاتهما، وبالترتيب نفسه، أكثر آيات القرآن تلاوة، وهي ختام آية الكرسي في الآية 2:255: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. فاسم «العظيم» أيضًا لم يقترن قط باسم «الكبير»، بل يقترن دائمًا باسم «العلي» في كل مرة.
وهكذا، فإن الاسمين اللذين يعاملهما الاستخدام الشائع كمترادفين يحل أحدهما محل الآخر، يتضح من خلال النص القرآني أنهما لا يجتمعان في آية واحدة أبدًا، بل يشتركان فقط في اسم ثالث يعودان إليه دائمًا.
الحكمة من هذا الاسم المشترك
يجدر بنا أن نتأمل الدلالة التي كان سيحملها اسما «الكبير» و«العظيم» لو وردا منفردين دون أن يقترنا باسم «العلي». فالعظمة إذا قِيست بالحجم أو النطاق تظل فكرة نسبية؛ فالشيء يكون كبيرًا مقارنة بما هو أصغر منه، ولا يكون «الأكبر» إلا ضمن مجموعة من الأشياء التي يمكن، من حيث المبدأ، قياسه بها. وإذا توقفنا عند هذا الحد، فإن العظمة — حتى وإن كانت بلا حدود — تظل حبيسة نظام يقبل المقارنة، كأن نتحدث عن أكبر جسم في كون مليء بالأجسام، مهما اتسعت الفجوة بينها.
لكن سورة الحج لا تتوقف عند هذا الحد. اقرأ الآية 22:62 كاملة مرة أخرى: تبدأ الآية ببيان الحق والباطل — فالله هو الحق، وما يُدعى من دونه هو الباطل الذي لا وجود له في ذاته — وبعد ذلك فقط تصف الله بأنه «العلي الكبير». لا تطرح الآية فكرتين منفصلتين متتاليتين، بل تؤكد فكرة واحدة مرتين. فالباطل ليس مجرد شيء أصغر من الله، بل هو معدوم الحقيقة ولا يمكن قياسه به أصلًا. وعظمة الله ليست مجرد المرتبة الأعلى في مضمار المقارنة، بل هي متعالية على المضمار بأسره. وهذا هو بالضبط الدور الذي يؤديه اسم «العلي» حين يقترن باسمي «الكبير» و«العظيم» على حد سواء: إنه يسمو بالعظمة والجلال فوق المستوى الذي يكون فيه لكلمة «الأكبر» معنى نسبي، ويضعهما في منزلة تتلاشى عندها كل مقارنة.
وهذا يفرض مطلبًا على تالي الآية، ولا يقتصر على كونه وصفًا لله. إنه يتطلب نوعًا خاصًا من التواضع؛ ليس التواضع الذي ينبع من الشعور بالضآلة أمام شيء ضخم، والذي لا يزال يتوهم الخالق والمخلوق على مقياس واحد متصل، بل هو الإدراك الأعمق بأنه لا يوجد مقياس يمكن أن يبلغه سبحانه وتعالى.
وتتخذ الآية 40:12 المسار ذاته ولكن من زاوية مختلفة. فالآية تحسم جدالًا حول الكفر — أولئك الذين يكفرون إذا دُعي الله وحده، ويؤمنون إذا أُشرك به — وتنهي الجدال ببيان أن الحكم لله «العلي الكبير». فهو ليس أقوى حاكم بين حكام متنافسين، بل حكمه هو الحكم الوحيد الحق. والشريك الذي يُجعل «مع» الله ليس منافسًا أصغر؛ بل تعتبر الآية أن مجرد فكرة وجود منافس هي محض ضلال، لأن «العلي الكبير» قد تنزه عن أي ساحة يمكن أن يُقاضى فيها منافس.
الجسد يردد ما يقر به اللسان
فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ — سورة الواقعة، 56:74
وقد روى عقبة بن عامر ما حدث حين نزلت هذه الآية، ونظيرتها التي تلتها في القرآن:
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ — سنن أبي داود، حديث رقم 869، النسخة المطبوعة صفحة 2/151 من . وقد حسّن محققو الطبعة إسناده.
بعبارة أخرى، «العظيم» ليس مجرد اسم يُدعى به الله فحسب، بل هو كلمة أُمر الجسد بأن يستصحبها في هيئة محددة — وهي الركوع، تلك اللحظة التي ينحني فيها ظهر المصلي ولا يعود رأسه في مستوى قلبه. وقد وصف حذيفة بدقة ثمرة هذا الأمر حين صلى بجوار النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة:
سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ — صحيح مسلم، حديث رقم 772، النسخة المطبوعة صفحة 1/536 من . وفي الرواية ذاتها أنه رفع من ركوعه، وبعد لحظات، وضع جبهته على الأرض ساجدًا وهو ينطق باسم إلهي آخر تمامًا — وهي قصة تخص ذلك الاسم، وليس هذا.
ما يهمنا هنا هو الهيئة، وليس الاسم الثاني. فالعظمة يُنطق بها في الركوع؛ إذ لا يقف العبد منتصبًا ليعلن ببساطة أن الله هو «العظيم». لقد نزل الأمر بالهيئة والكلمة ليقترنا معًا، والمنطق ذاته الذي باعد بين «الكبير» و«العظيم» في المصحف يتجلى هنا بوضوح: فالعظمة لا تُعلن أبدًا من موقف الندية أو التكافؤ، بل تُعلن من موضع الانحناء والخضوع.
ما تطلبه العظمة ممن يركع لها
إذا جمعنا هذه الخيوط معًا، تكتمل الصورة. فـ «الكبير» و«العظيم» هما كلمتان تعبران عن حقيقة واحدة، وهي العظمة التي لا يمكن تجاوزها في أي مضمار — ويرفض القرآن أن يترك أيًا منهما قائمًا بذاته وكأنه بديهي. بل يربطهما باسم «العلي»، وهو الاسم الذي ينفي المقارنة من الأساس، وكلاهما، حين يتصلان بالجسد، يقترنان بهيئة تمحو معها أي شعور لدى المصلي بمكانته أو رفعته.
وهذا على النقيض تمامًا مما تفعله العظمة عادة بالبشر. فالعظمة البشرية، مهما كان مصدرها، تميل إلى خلق شخص لا ينحني لشيء تقريبًا — حيث يصبح الوقوف بصلف وكبرياء هو الغاية من الوصول إلى القمة. أما اسم الله «الكبير» فيتطلب العكس: فكلما ازداد العبد يقينًا بأن عظمة الله لا تقبل المقارنة، ازداد رأسه انحناءً، لا ارتفاعًا. إن قول «الله أكبر» — باستخدام صيغة التفضيل ذاتها المشتقة من هذا الاسم — عشرات المرات في صلوات اليوم الواحد ليس تفاخرًا يُقال نيابة عن الله، بل هو إقرار متكرر من العبد بأن كل ما كان يوشك أن يقيس نفسه به في تلك اللحظة لا ينتمي إلى المقياس ذاته. والركوع هو التجسيد الفعلي لهذا الإقرار حين يُطلب من الجسد، لا اللسان، أن يعبر عنه.
لم يكن أي من هذا يتطلب أن يقترن اسما «الكبير» و«العظيم» ببعضهما قط. بل إن افتراقهما هو ما أتاح لكل منهما أن يؤدي دوره دون أن يذوب ليصبح مجرد مرادف للآخر. فاسم «الكبير» يصاحب «العلي» في آيات تتحدث عن الحق في مواجهة الباطل، وعن الحكم الحق في مواجهة الادعاءات الباطلة — إنها العظمة التي لا تدركها أي مقارنة. أما اسم «العظيم» فيصاحب الاسم ذاته في آية تُتلى في كل صلاة تقريبًا، ثم ينتقل، منفردًا، إلى الهيئة التي ينحني فيها ظهر الإنسان إلى أقصى حد. اسمان، يؤديان دورين متمايزين، وكلاهما يرفض الاختزال ذاته: فلا يقبل أي منهما أن يُقاس بشيء، ولا يسمح أي منهما لمن ينطق به أن يقف منتصبًا وهو يذكره.
متابعة
Names of Allah
ذات صلة
المقالات عشر ذي الحجة: ماذا تقول الأدلة حقاً تتردد عبارة "أفضل أيام الدنيا" كثيراً حتى تكاد تبدو كالموروث الشعبي. لكنها تستند في الحقيقة إلى قسم قرآني وحديث نبوي واحد — نقرأهما هنا جملة جملة، وصولاً إلى النقطة التي اختلف فيها المفسرون حول تحديد الليالي العشر التي أقسم بها الله. المقالات عشرة أيام بلا جدول مزدحم: ما يطلبه منك ذو الحجة حقاً معظم ما يُكتب عن العشر الأوائل من ذي الحجة يصف مناسك حج لن يؤديها أغلب القراء. لكن المصادر تذكر قائمة أقصر وأقل شيوعاً لغير الحجاج — الصيام، والتكبير، وأضحية يُدفع ثمنها عن بُعد، والصدقة، والقرآن، ونفس الواجبات التي تؤديها بالفعل — وتقدم سبباً، وليس مجرد أمر، لكل منها. المقالات سر الدعاء: أن تقبل على الله وليس بيدك سوى الافتقار إليه نبي طريد يرجو "أي خير" قد يأتيه من غريب، ومسافر أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء منادياً "يا رب، يا رب" — صورتان تجسدان المعنى الحقيقي للوقوف بين يدي الله بلا شيء سوى الافتقار التام إليه.
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
