تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

سر الدعاء: أن تقبل على الله وليس بيدك سوى الافتقار إليه

نبي طريد يرجو "أي خير" قد يأتيه من غريب، ومسافر أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء منادياً "يا رب، يا رب" — صورتان تجسدان المعنى الحقيقي للوقوف بين يدي الله بلا شيء سوى الافتقار التام إليه.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

كان موسى (عليه السلام) قد فرّ للتو من مصر، بعد أن وكز رجلاً فقضى عليه دون قصد منه، فبات فرعون وقومه يأتمرون به ليقتلوه. خرج هائماً على وجهه، بلا خطة ولا مال ولا نصير، حتى وصل إلى مدين غريباً لا يملك من حطام الدنيا شيئاً. وعند بئر خارج المدينة، وجد امرأتين تذودان غنمهما وتنتظران حتى يفرغ الرعاة من السقي، لضعفهما عن مزاحمة الرجال. فسقى لهما دون أن تطلبا منه ذلك. وهنا يوثق القرآن الكريم ما حدث بعد ذلك بدقة:

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

سورة القصص، 28:24

تأمل هذه الآية مرة أخرى لترى ما لم تقله. لم يحدد موسى مقداراً معيناً، ولم يطلب أمناً ولا طعاماً ولا مأوى، رغم أنه كان يفتقر إلى كل ذلك في تلك اللحظة. لقد اكتفى بوصف حاله — بأنه فقير — وترك تفصيل “الخير” كله لله. ليس هذا صنيع رجل يمنعه كبرياؤه من تحديد مطلبه، بل هو صنيع رجل بلغ به الافتقار مبلغاً يجعل أي تحديد لمطلبه تقليلاً من شأن حاجته الحقيقية.

هذا ما يجعل دعاء موسى أوضح صورة في القرآن الكريم للغاية التي تمهد لها الخطوات الأولى في الدعاء. فالثناء على الله، والصلاة على رسوله (صلى الله عليه وسلم)، والتوسل بأسماء الله الحسنى، والاعتراف بالذنب — كل ذلك يصب في هذه اللحظة؛ اللحظة التي يتخلى فيها الداعي عن تكلف التماسك، ويعترف بالحقيقة المجردة: أنا لا أملك شيئاً، وبيدك كل شيء، وإياك أسأل.

وهذا الاعتراف بالافتقار ترافقه هيئة جسدية تعبر عنه. ففي حديث عن الكسب الحلال، رسم النبي (صلى الله عليه وسلم) صورة لرجل يعيش هذه الحالة بحذافيرها — أرهقه السفر، ويدعو ربه متجرداً من كل تكلف:

ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ. أَشْعَثَ أَغْبَرَ. يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. يَا رَبِّ! يَا رَبِّ!

— صحيح مسلم، حديث 1015، الصفحة المطبوعة 2/703 من ، عن أبي هريرة.

لاحظ ما اختار النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يصفه. لم يصف كلمات الرجل — فهو لم يزد على تكرار عبارة “يا رب، يا رب” مرتين. بل وصف بالتفصيل كل ما يحيط بتلك الكلمات: شعره الأشعث، والغبار الذي يكسوه، وطول المسافة التي قطعها، ويديه الممدودتين لأنه لا وجهة أخرى لهما. كان النبي يشير إلى جسد تخلى عن التظاهر بحسن الهيئة، لأن حسن الهيئة لم يكن يوماً هو الغاية من الوقوف في ذلك المقام.

غير أن النبي لم يختم قصة الرجل عند هذا الحد، بل أتبعها بشرط صارم:

وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ. فَأَنَّىٰ يُسْتَجَابُ لِذَٰلِكَ؟

— صحيح مسلم، حديث 1015، الصفحة المطبوعة 2/703 من .

كانت الهيئة صحيحة، ومع ذلك رُدّ الدعاء، لأن الاضطرار في الطلب لم يكن يوماً الشرط الوحيد لقبول الدعاء — فما يقتات عليه الداعي له وزنه أيضاً. فاليد المرفوعة لا تمحو أثر ما مُلئت به. لكن هذا الشطر الثاني من الحديث لا يلغي شطره الأول؛ بل يفترض صحة الهيئة ويضيف إليها مطلباً مستقلاً. فتفعيل سر الدعاء لا يزال يقتضي أن تقبل على الله أشعث أغبر وتلح في المسألة كذاك المسافر، غير أن ذلك يجب أن يقترن بحياة قائمة على الحلال، لا أن يكون محاولة للالتفاف على حياة غارقة في الحرام.

إن أكثر ما يحول بيننا وبين الدعاء كدعاء موسى أو كدعاء المسافر في ذلك الحديث ليس ضعف الإيمان، بل هو التكلف — تلك النزعة الفطرية للظهور بمظهر المتماسك أمام من نهتم لنظرتهم إلينا، حتى وإن كان من نقف أمامه هو الله الذي يعلم يقيناً حقيقة حالنا.

ويعالج القرآن الكريم هذه النزعة بشكل مباشر، ويوجه خطابه للجميع، لا لمن يشعرون بالاضطرار الواضح فحسب:

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ

سورة فاطر، 35:15

لا تقول الآية إن بعض الناس فقراء إلى الله، بل تقرر أن البشرية جمعاء كذلك — فالذي سُددت ديونه وامتلأت خزائنه ليس بأقل افتقاراً من الغريق الذي يتشبث بلوح خشب في عرض البحر. فالافتقار ليس حالة يقع فيها البعض وينجو منها آخرون؛ بل هو، بنص هذه الآية، الحالة الأصيلة التي يُولد عليها كل إنسان، سواء شعر بها واعترف بوجودها أم لا. وما يميز دعاء موسى ويدي المسافر المرفوعتين عن أي طلب عادي منمق، هو أنهما ببساطة توقفا عن التظاهر بخلاف ذلك.

إن تفعيل سر الدعاء لا يكمن في البحث عن كلمات أكثر تنميقاً، بل في التخلي عن الكلمات التي توحي بأن المرء قادر على تدبر أمره بنفسه. ومن الناحية العملية، قد يعني هذا:

  • تسمية الحاجة بوضوح بدلاً من إلباسها ثوباً من الكلمات الرسمية — أي أن تطلب ما تفتقده تحديداً، كما طلب موسى “أي خير”، بدلاً من اللجوء إلى صيغ عامة ومتحفظة.
  • الإلحاح في الطلب وتكراره بدلاً من ذكره مرة واحدة ثم تجاوزه، تماماً كما كرر المسافر نداءه “يا رب” بدلاً من قوله مرة واحدة ثم الشروع في الشرح والتفصيل.
  • الدعاء في حالة، جسدية كانت أو غيرها، تتطابق مع ما تشعر به حقاً، بدلاً من اصطناع الحالة التي تبدو أكثر تماسكاً ووقاراً.
  • تفقد الأساس الذي يقوم عليه الدعاء — فتحذير النبي (صلى الله عليه وسلم) من الكسب الحرام هو تذكير بأن صدق الاضطرار في الطلب لا يغني عن استقامة المرء في سائر حياته.

لا شيء من هذا يتطلب فصاحة، ولا شيء منه يستدعي وجود من يراقبك. لقد ناجى موسى ربه وحيداً تحت شجرة، في بلدة غريبة، بعد أن أسدى معروفاً لم يشكره عليه أحد بعد. هناك يتجلى سر الدعاء — ليس في مناسبة خاصة، بل في ذلك العدم الذي يتبقى للمرء حين يتوقف عن التكلف والتظاهر.

لقد اجتهدنا في إيراد كل آية وحديث هنا تماماً كما وردت في مصادرها، لكننا لسنا معصومين من الخطأ — فإن وقع سهو فيما سبق، فنحن نرحب بالتصويب ونفضله على ترك الخطأ دون تصحيح.

اللهم ﷻ، نسألك أن تجعلنا ممن يقبلون عليك بلا زيف ولا كتمان، وممن يسألونك كما سألك موسى، وكما سألك المسافر، حتى تستجيب لنا.