تخطَّ إلى المحتوى

قرآن غاليري المدونة · المقالات

الحليم: القوة التي تختار ألا تبطش

اسم الله «الحليم» يصف القوة التي تُمسك عن العقوبة مع كمال القدرة عليها. ولم يقترن هذا الاسم في القرآن الكريم إلا بالعلم أو المغفرة، ولم يقترن قط بالغفلة أو الجهل؛ وهو اقترانٌ يحمل رسالة ومطلباً خاصاً لكل من يدّعي الإيمان به.

قراءة 5 دقيقة2 مصدرNames of Allah

الكاتب:فريق معرض القرآن

ليس كل من يترك الرد والانتقام حليماً؛ ففي بعض الأحيان يكون المرء مغلوباً على أمره، أو يتحين لحظة آمنة، أو قد أنهكه التعب فلم يعد يكترث. إن كبح النفس عند البشر غالباً ما يكون مشروطاً بعوامل خارجية؛ كالخوف من العواقب، أو انعدام الفرصة، أو الحسابات الشخصية التي ترى أن ثمن الانتقام باهظ لا يستحق العناء. وما إن يزول هذا العائق، حتى يزول معه ذلك الكبح والامتناع.

ولا شيء من هذه القيود ينطبق على الله ﷻ. فقد سمّى نفسه «الحليم»، لا لأن العقوبة تعجزه، بل لأنها في متناول قدرته في كل لحظة، وعلى كل أحد، دون أن يلحقه في ذلك كلفة أو خطر. فالحلم ليس تحمل المشاق والأذى، فذلك هو «الصبر». بل الحلم هو الإرجاء المتعمد للعقوبة ممن يملك القدرة التامة والحق الكامل في إيقاعها. فاسم «الحليم» يعبر عن قوةٍ قد حسمت سلفاً كيف تريد أن تستخدم ذاتها.

يقترن بالعلم، ولا يقترن بالجهل أبداً

نادراً ما ترد أسماء الله الحسنى مفردة في القرآن الكريم؛ بل غالباً ما تأتي مقترنة بغيرها، وهذا الاقتران يؤدي غرضاً عقدياً بالغ الأهمية. فاسم «الحليم» لا يجتمع أبداً مع ما يوحي بالغفلة أو عدم الإدراك، بل يقترن باسم «العليم» وباسم «الغفور»؛ وكأن النص القرآني يسد الباب سلفاً أمام العذر الوحيد الذي قد يُفرغ الحلم من معناه: وهو ظنّ أن الله لم يلاحظ الذنب أصلاً.

لنتأمل الآية التي تخاطب الأرامل والرجال الذين قد يلمحون لهن بالخطبة قبل انقضاء عدتهن. يقرر الله ﷻ أولاً وبوضوح أنه يعلم التلميح الخفي في الحديث، والنية التي تُضمر في الصدور:

… وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ

— سورة البقرة، 2:235

إن الترتيب هنا مقصود؛ فالعلم بما تخفيه النفوس جاء أولاً، ثم أعقبه التحذير، وبعد ذلك فقط جاءت الطمأنينة بأنه غفور حليم. فالحلم هنا ليس غضاً للطرف عما يخفيه الناس، بل هو اطلاع الله المباشر عليه، واختياره -رغم ذلك- ألا يعاجلهم بالعقوبة على زلة لم تتحول بعد إلى فعل.

ويكرر القرآن هذا النمط باقتران الحلم باسم «العليم» بدلاً من «الغفور» في سياق مختلف تماماً: في تفصيل أحكام المواريث وتقسيم التركات بين الأرامل والأبناء والإخوة بعد الوفاة؛ وهي اللحظة التي تشتد فيها إغراءات النفوس للتلاعب بالأحكام لصالحها.

… وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ

— سورة النساء، 4:12

إن تشريع الأنصبة الدقيقة ثم ختم الآية بصفتي «عليم حليم» بدلاً من «عليم رقيب»، يخبر القارئ بشيء عن كيفية التعامل مع من يتجاوز هذه الحدود: تعاملٌ يتسم بالوعي التام بمن ظلم من، ولكن دون البطش الفوري الذي كان مجرد العلم بالظلم كافياً لتبريره.

للإمهال أجلٌ مسمى

لا ينبغي أن يُفهم شيء من هذا على أنه لامبالاة. فالحلم الذي لا ينتهي إلى شيء ليس رحمة؛ بل هو تجريد للأفعال من قيمتها الأخلاقية تماماً، وكأن الخطأ لم يعد مهماً، لا أن العقوبة قد أُرجئت. والقرآن صريح في أن الفهم الثاني هو الصحيح:

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ

— سورة إبراهيم، 14:42

كلمة «يؤخرهم» هي الكلمة المفصلية هنا، وهي لا تعني «ينساهم» أو «يعذرهم». فالحلم يمنح المخطئ وقتاً، لا إعفاءً؛ وقتاً ليدرك ما اقترفت يداه، وليستشعر أن غياب الحساب الفوري هو فرصة للتدارك وليس حكماً بالبراءة، وليصحح مساره قبل انقضاء الأجل. وفي ضوء هذه الآية، يتوقف اسم «الحليم» عن كونه مجرد طمأنينة سلبية، ليصبح أقرب إلى تحذير مغلف بالصبر: فالصمت ليس إقراراً.

من سُمّي بالاسم ذاته

مرتين فقط أطلق القرآن الكريم وصف «حليم» على بشر، وفي كلتيهما كان يقصد الرجل نفسه: إبراهيم عليه السلام. في إحدى المرتين، كان يجادل عن قوم لوط بعد لحظات من بشارة الملائكة له بغلام؛ وظل ينافح عنهم حتى أوقفته الملائكة بصريح العبارة، لأن الأمر قد قُضي:

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ

— سورة هود، 11:75

لم يكن إبراهيم يملك سلطة على مهمة الملائكة؛ فحلمه هنا لا يشبه كبح الحاكم لغضبه، بل هو أقرب إلى التردد في التخلي عن الناس حتى بعد أن حل القضاء فعلياً. إنه يجادل طلباً للرحمة متجاوزاً النقطة التي يمكن للجدال فيها أن يغير النتيجة، لأن الاستسلام والتخلي عن هذا الاحتمال يبدو في حد ذاته قسوة.

وقد اختُبر النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة ذاتها، ولكن من موقع لم تتطلبه قصة إبراهيم: موقع من يملك القوة الفعلية بين يديه. ففي طريق عودته من الطائف، مجروحاً ومطروداً بعد أن دعا أهلها، وصف لعائشة رضي الله عنها كيف لقيه مَلَكٌ عرض عليه أن يطبق على المدينة جبلين بكلمة منه:

فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا

— صحيح البخاري، حديث 3231، الصفحة المطبوعة 4/115 من .

لم يكن العرض مجازياً؛ بل كانت القوة حقيقية، وكان قراره وحده أن يستخدمها. وما اختاره كان الصورة ذاتها للحلم التي ينسبها القرآن لله ﷻ: قدرة تامة، ووعي كامل بالأذى، وقرار بالإمساك عن العقوبة رجاء ما قد يثمره هذا الإمساك.

ما يتطلبه الاسم منا

وإذا كان الحلم صفة لله ﷻ مقترنة بقدرته المطلقة، فإنه لا يقتصر على كونه صفة يُسمح له وحده بالاتصاف بها. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وافداً يُدعى الأشج، من قبيلة عبد القيس، أن الحلم خصلة يحب الله تحديداً أن يراها في العبد:

إِنَّ فِيكَ خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة

— صحيح مسلم، حديث 25 (17)، الصفحة المطبوعة 1/48 من .

استحق الأشج هذا الوصف لأنه تأخر في الوصول لتقديم البيعة؛ إذ توقف أولاً ليتزين ويعتني برواحل قومه كما ينبغي، بدلاً من التدافع أمام الوفد ليكون في الصدارة. إنه مثال بسيط، يكاد يكون يومياً، لهذه الصفة؛ فلا توجد هنا مدينة نُجّيت من الهلاك، ولا صبر كوني معروض، وهذا أقرب إلى ما سيُطلب من معظم المؤمنين ممارسته. فالحلم على المستوى البشري نادراً ما يتجلى في إنقاذ عدو من الدمار؛ بل يتجلى في التريث لحظة إضافية قبل الرد على الإساءة، وفي إتمام العمل بإتقان بدلاً من الانفعال المتسرع، وفي تفويت الاستفزاز دون تقديم الرد الذي صُنع خصيصاً لانتزاعه.

هذه البساطة هي السر في جعله خصلة يحبها الله لا فريضة يوجبها. فالله لا يكتفي بقبول الحلم ممن يقدر عليه؛ بل وُصف بأنه يحب أن يجده في عباده، تماماً كما وُصف بأنه يحب التوبة التي تعقب الذنب أكثر من غياب الذنب نفسه. إن كل من ينطق باسم «الحليم» وهو يعي معناه، يأخذ على نفسه عهداً بأن يدرك -في المرة القادمة التي يكون فيها الرد مستحقاً تماماً وفي متناول يده- أن الإمساك عنه (ليس للأبد، ولا بلا حدود، بل في تلك اللحظة) هو أقرب ما يمكن للإنسان أن يبلغه في ممارسة ذات الصلاحية التي يرجو من الله أن يعامله بها.

متابعة

Names of Allah

اسأل

اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو

كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.

يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.

تابع المدونة خلاصة RSS خلاصة JSON