قرآن غاليري المدونة · المقالات
فادعوه بها: ماذا يعني أن الله سمى نفسه؟
الاسم الذي يطلقه الوالدان على مولودهما يصف شخصاً لا يعرفانه بعد. أما أسماء الله الحسنى فهي على النقيض من ذلك تماماً؛ إذ هي تجلٍّ للذات منبثق عن علم مطلق بها، وقد أمر القرآن المؤمنين بدعائه بها. وهذا المقال يوضح ما يعنيه هذا الأمر الرباني، والذي يتجاوز مجرد حفظ قائمة تضم تسع وتسعين كلمة.
قراءة 4 دقيقة2 مصدرNames of Allah
الكاتب:The Quran Gallery team
الاسم الذي يُطلق على المولود الجديد يصف شخصاً لم يلتقِ به مُطلِق الاسم بعد. يختاره الوالدان بناءً على وقعه الصوتي، أو ذكرى معينة، أو أمل يرتجيانه؛ أي بناءً على أي شيء سوى المعرفة المباشرة بالشخص الذي سيحمل هذا الاسم، لسبب بسيط هو أن هذا الشخص لم يتشكل بعد كإنسان له تاريخ يمكن وصفه. هكذا تبدأ كل الأسماء التي يحملها البشر: تُمنح من الخارج، قبل أن يكون هناك أي كيان حقيقي يمكن تسميته بدقة.
أما القرآن الكريم، فيصف نوعاً مختلفاً تماماً من الأسماء.
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ — سورة الأعراف، 7:180
ثمة أمران جديران بالملاحظة في هذه الآية قبل الوصول إلى جملتها الأساسية. الأول: أن الأسماء نُسبت إلى الله بلام الملك في قوله “ولله”، فهي له سبحانه ولم يمنحها له أحد غيره. والثاني: أنها وُصفت بأنها “الحسنى”، وهو اسم تفضيل لا يقتصر معناه على حسن الوقع في السمع، بل يعني أن كل اسم منها هو الوصف الأكمل والأكثر ملاءمة لما يدل عليه. إن الاسم الذي يطلقه شخص غريب على مولود جديد ليس سوى تخمين يرتدي ثوب الوصف. أما الاسم الذي يسمي الله به نفسه فهو على النقيض من ذلك: إنه بيان من المصدر الأوحد الذي يحيط علماً بما يصفه إحاطة تامة.
ولهذا السبب جاء الأمر في الآية الكريمة: “فادعوه بها”، ولم يقتصر على مجرد “اعرفوها” أو “احفظوها”. فالأسماء وُجدت ليُدعى بها، لا لتُحفظ كمعلومات مجردة.
اعتراض يجيب عليه القرآن مباشرة
كان لدى الرعيل الأول ممن استمعوا إلى القرآن عقلية جعلت تقبل هذا الأمر أصعب مما يبدو عليه اليوم. فحينما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه باسم “الرحمن” في صلاته، اعترض بعض المكيين الذين سمعوه، ظناً منهم أنه يدعو إلهين مختلفين: “الله” تارة، و”الرحمن” تارة أخرى. وقد جاء رد القرآن على هذا اللبس مباشراً وحاسماً، ليكون بمثابة تعريف دقيق لماهية الاسم الإلهي:
قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ … — سورة الإسراء، 17:110
أسماء متعددة، والمسمى واحد. هذا هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء هنا: فكل اسم في هذا الدين، مهما بلغ عددها، يمثل زاوية مختلفة لرؤية حقيقة واحدة، وليس حقيقة مختلفة؛ إنها طريقة لمخاطبة الذات العلية ذاتها التي نصت عليها الآية الأولى بوضوح: الله.
تسعة وتسعون اسماً.. وما لا يعنيه إحصاؤها
يحدد الحديث النبوي الأكثر تداولاً في هذا السياق عدداً معيناً للأسماء، ويجعل للتعامل مع هذا العدد جزاءً محدداً:
إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ. — صحيح البخاري، حديث رقم 2736، الصفحة المطبوعة 3/198 من .
قد يسهل فهم هذا العدد على أنه حد أقصى، وكأن لله تسعة وتسعين اسماً فقط لا غير. إلا أن الإمام النووي يذكر أن العلماء لم يفهموا الحديث على هذا النحو إطلاقاً:
فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاءٌ غَيْرَ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَارِ بِحَصْرِ الْأَسْمَاءِ. — الإمام النووي، شرح صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 17/5 من .
العدد هنا يمثل عتبة للفضل، وليس حصراً للكل. وقبل بضعة أسطر في الموضع ذاته، يشير النووي إلى أن العلماء اختلفوا حتى في معنى “أحصاها” وما تتطلبه: فيذكر أن البخاري وغيره من المحققين فسروها بمعنى “حفظها”، مستندين إلى رواية أخرى للحديث ذاته تنص صراحة على “من حفظها”. بينما فسرها آخرون بمعناها الحرفي، أي “عدّها”. وتكمن أهمية هذا الخلاف في أنه يثبت أن الكلمة لم تُعامل قط على أنها بديهية المعنى. فسرد تسع وتسعين كلمة بالترتيب، والقيام بما يطلبه الحديث فعلياً من المسلم، لم يُعتبرا مهمة واحدة؛ وقد أدرك المفسرون الأوائل هذه الفجوة بين الأمرين قبل قرون من انتباه أي قارئ معاصر لها.
اسم يطلب منك شيئاً
إذا كان إحصاء الاسم يتجاوز مجرد ترديده، فما الذي يسد هذه الفجوة؟ يقدم القرآن إجابته الخاصة من خلال تضمين أحد الأسماء الحسنى داخل توجيه تشريعي عام بدلاً من وضعه في قائمة تعبدية، وهو أمر يحمل في طياته درساً بليغاً:
… وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا — سورة النساء، 4:1
اسم الله “الرقيب” لا يظهر هنا كعنصر في قائمة للتأمل. بل يبرز كعلة تجعل سلوكاً معيناً — كاحترام الحقوق التي يتساءل بها الناس، وصلة الأرحام — أمراً حتمياً لا خيار فيه، حتى في غياب أي شاهد من البشر. فالاسم هنا يؤدي دور الحجة البالغة: فلأنه سبحانه “رقيب”، تتلاشى أي ذريعة لقطيعة رحم أو نكث بعهد في الخفاء، إذ لم تكن هناك لحظة خلوة حقيقية في المقام الأول.
هذا هو الفارق الجوهري بين ترديد الاسم وإحصائه. يمكن للمرء أن يقول “الرقيب” مئة مرة دون أن يزن سلوكه على ميزان هذا الاسم ولو لمرة واحدة. إن كلمة “أحصاها”، وفقاً للمفاهيم التي استخدمها المفسرون الأوائل، تتطلب ما هو أعمق من النطق الصحيح؛ إنها تتطلب أن تتجلى الحقيقة التي يصفها الاسم في سلوك المرء حين يخلو بنفسه. يُحصى الاسم في اليوم الذي يصبح فيه دافعاً لاختيار سلوكي، لا مجرد زينة تُنمق بها الدعوات.
لماذا جاء الأمر بالدعاء وليس بمجرد العلم؟
ولهذا السبب أيضاً، لم تتوقف الآية الأولى المذكورة هنا عند ذكر الأسماء، بل أمرت المؤمنين بدعاء الله بها على وجه التحديد. فقائمة الصفات، إن تُركت دون تفعيل، ستتحول إلى مجرد معلومات عقدية نظرية. أما إذا استُخدمت كما ينبغي، فإن الأسماء تصبح المفردات الحقيقية لدعاء المرء ومناجاته: فمن يطلب المغفرة يجد اسماً يعبر بدقة عن هذه الصفة ليلوذ به، ومن كان في ضيق يجد اسماً آخر، ومن تملكه الخوف يجد اسماً ثالثاً. إن الأمر في الآية الافتتاحية ليس “احفظوا قائمة”، بل “استخدموا القائمة في مناجاتكم”؛ لأن العبد الذي أدرك أي اسم يلبي أي حاجة، قد تعلم شيئاً لا يمكن للحفظ وحده أن يمنحه إياه: كيف يطلب الشيء الصحيح، متوسلاً بالوصف الصحيح لمن يسأله.
هذا هو الجوهر الحقيقي للتعامل مع أسماء الله الحسنى كموضوع يستحق أن تُفنى فيه الأعمار، لا كقائمة تُحفظ في أمسية عابرة. إن العدد تسعة وتسعين ليس حداً أقصى لماهية الله جل جلاله. بل هو عدد الأبواب التي أُخبر الرعيل الأول بأنها مُشرعة، مع دعوة صريحة لولوج كل باب منها، لا للوقوف خارجها والاكتفاء بعدّها.
متابعة
Names of Allah
ذات صلة
Names of Allah خِمَاصًا في الغدوّ، بِطَانًا في الرواح: ماذا يطلب «الوكيل» ممن يتوكل عليه؟ لا ينتظر الطير في عشه حتى يأتيه رزقه، بل يغدو خاويةً حواصله ويعود ممتلئًا؛ تلك هي الصورة التي ضربها النبي صلى الله عليه وسلم للتوكل الذي لا ينافي السعي. إن اسم الله «الوكيل»، الذي تُفوض إليه الأمور في نهايتها، لا يطلب من العبد أن يتوقف عن السير أو التخطيط أو العمل، بل يسأله عن الموضع الذي يستقر فيه يقينه بعد أن يستنفد خطته وأسبابه. Names of Allah الحليم: القوة التي تختار ألا تبطش اسم الله «الحليم» يصف القوة التي تُمسك عن العقوبة مع كمال القدرة عليها. ولم يقترن هذا الاسم في القرآن الكريم إلا بالعلم أو المغفرة، ولم يقترن قط بالغفلة أو الجهل؛ وهو اقترانٌ يحمل رسالة ومطلباً خاصاً لكل من يدّعي الإيمان به. Names of Allah لماذا لم يقترن اسما الله الكبير والعظيم في القرآن قط؟ غالبًا ما يُذكر اسما الله «الكبير» و«العظيم» معًا كأنهما قرينان، غير أن القرآن الكريم لم يجمع بينهما في موضع واحد قط. بل اقترن كلاهما باسم ثالث، وهو «العلي»، في آيات تتشابه في بنيتها. يتتبع هذا المقال الحكمة من هذا الاقتران، وما يغرسه في قلب الراكع خضوعًا لله.
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
