Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
وإنما قال اللَّهُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ يُعرِّفُه أن قتلَ المشركين الذين أَسَرَهم ﷺ يومَ بدرٍ ثم فادَى بهم، كان أوْلي بالصوابِ من أَخْذِ الفِدية منهم وإطْلاقِهم.
وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: حتى يُبالغَ في قتلِ المشركين فيها، ويَقْهَرَهم غَلَبةً وقَسْرًا.
يقال منه: أَثْخَنَ فلانٌ في هذا الأمرِ. إذا بالَغَ فيه. وحُكِى: أَنْخَنتُه معرفةً. بمعنى: قتلتُه معرفةً.
﴿تُرِيدُونَ﴾. يقولُ للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: تُريدون أيُّها المؤمنون ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بأسْرِكمُ المشركين، وهو ما عَرضَ للمرءِ (١) منها مِن مالٍ ومتاعٍ. يقولُ: تُرِيدون بأَخْذِكم الفداءَ مِن المشركين متاعَ الدنيا وطُعْمَها، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: واللَّهُ يريدُ لكم زينةَ الآخرةِ وما أعدَّ للمؤمنين وأهلِ ولايتهِ في جناتِه، بقَتْلِكم إياهم وإثْخانِكم في الأرضِ. يقولُ لهم: واطلُبوا ما يريدُ اللَّهُ لكم وله اعمَلوا، لا ما تَدْعوكم إليه أهواءُ أنفسِكم مِن الرغبةِ في الدنيا وأسبابِها، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾. يقولُ: إن أنتم أردتُم الآخرةَ لم يَغْلبْكم [عدوٌّ لكم] (٢)؛ لأن اللَّهَ عزيزٌ لا يُقْهَرُ ولا يُغلَبُ، وأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبِيرِه أَمرَ خلقِه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن
قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس ﵁، قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم". فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال: للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغمِّ، فعفا عنهم وقبلَ منهم الفِداء،
قال وأنزل الله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية (٦).
وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.
وقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: "يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم
[— بداية ص ٤/ ٢٣٢، page_id=2091 —]
فاضرب أعناقهم" وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في وادٍ كثير الحطب، أضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه، قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يردّ عليهم شيئًا، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.
ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللّبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة] وإن مثلك يا عمر، كمثل موسى ﵇، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وإن مثلك يا عمر، كمثل نوح ﵇، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح] أنتم عالة (١) فلا ينفكنَّ أحد منهم إلا بفداء، أو ضربة عنق" قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: "إلا سهيل بن بيضاء" فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى آخر الآية، رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، والحاكم في مستدركه، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢). وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ نحوه. وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري.
وروى ابن مردويه أيضًا، واللفظ له والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أُسر العباس فيمن أُسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "إني لم أنم الليلة من أجل عمِّي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه" فقال له عمر: أفآتهم؟ فقال: "نعم"، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى؟ قالوا: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم فوالله لأن تسلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال: واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر فيهم، فقال: أبو بكر عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية (٣)، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٦٥٨) روى مسلم في أفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقُتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبيّ ﷺ أبا بكر وعمر وعلياً، فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله: «ما ترى يا ابن الخطاب» ؟ قلت:
والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان، قريبٌ لعمر، فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرِبَ عنقه، حتى يعلم الله ﷿ أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فَهِويَ رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت، فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد، غدوت إلى رسول الله ﷺ، فاذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فان وجدت بكاءً بكَيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت. فقال النبي ﷺ: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من الفداء. لقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة، فأنزل الله «ما كان لنبي أن يكون له أسرى» إلى قوله «عظيم» .
[— بداية ص ٢/ ٢٢٥، page_id=819 —]
(٦٥٩) وروي عن ابن عمر قال: لما أشار عمر بقتلهم وفاداهم رسول الله أنزل الله تعالى «ما كان لنبي» إلى قوله «حلالاً طيبا» ، فلقي النبيّ ﷺ عمر فقال «كاد يصيبنا في خلافك بلاء» .
فأما الأسرى، فهو جمع أسير، وقد ذكرناه في سورة البقرة «١» . والجمهور قرءوا «أن يكون له» بالياء، لأنّ الأسرى مذكّر. وقرأ أبو عمرو «أن تكون» ، قال أبو علي: أنَّثَ على لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنّث اللفظ. والأكثرون قرءوا «أسرى» وكذلك «لمن في أيديكم من الأسرى» . وقرأ أبو جعفر، والمفضل «أُسارى» في الموضعين، ووافقهما أبو عمرو، وأبان في الثاني. قال الزجاج: والإثخان في كل شيء: قُوَّة الشيء وشِدَّته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتدت قُوَّته عليه. والمعنى: حتى يبالغ في قتل أعدائه. ويجوز أن يكون المعنى: حتى يتمكن في الأرض. قال المفسرون: معنى الآية: ما كان لنبي أن يحبس كافراً قدر عليه للفداء أو المن قبل الإثخان في الارض. وكانت غزاة بدر أول قتال قاتله رسول الله، ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وهو المال. وكان أصحاب رسول الله قد فادوا يومئذ بأربعة آلاف أربعة آلاف. وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ قولان: أحدهما: يريد لكم الجنة، قاله ابن عباس. والثاني: يريد العمل بما يوجب ثواب الآخرة، ذكره الماوردي.
فصل: وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد في آخرين: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «٢» ، وليس للنسخ وجه، لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قِلَّةٌ فلما كثروا واشتدَّ سلطانُهم، نزلت الآية الأخرى، ويبيّن هذا قوله تعالى: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ.