تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.
يقول جلَّ ثناؤه: وقالت أولَى كلِّ أمةٍ وملَّةٍ سلفت في الدنيا، لأُخراها الذين جاءوا من بعدهم، وحدثوا بعد زمانهم فيها، فسلكوا سبيلهم، واسْتَنُّوا سُنَّتهم: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، وقد علمْتُم ما حَلَّ بنا مِن عقوبةِ اللَّهِ بمعصيتنا إياه وكُفْرِنا به، و (٣) جاءَتْنا وجاءتكم بذلك الرسلُ والنُّذُرُ، هل أنبتُم (٤) إلى طاعة الله، وارْتَدَعْتُم عن غَوَايتكم وضَلالتِكم؟ فانقطعت حجةُ القوم وخُصموا ولم يُطيقوا جوابًا، بأن يقولوا: فُضِّلْنا عليكم أنا (٥) اعْتَبَرْنا بكم، فَآمَنَّا بِاللَّهِ وصدَّقْنا رسله. قال الله لجميعهم: فذُوقوا جميعكم أيُّها الكفرة عذاب جهنم بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثامِ والمعاصى، وتجترحون من الذنوب والإجرام.
وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعْتَمِرُ بن سليمان، قال: سَمِعْتُ عِمْرانَ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ
[— بداية ص ١٠/ ١٨١، page_id=6889 —]
فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. قال: يقولُ: فما فضلكم علينا وقد بُيِّن لكم ما صُنع بنا وحُذِّرْتُم؟ (١).
حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾: فقد ضلَلْتُم كما ضللنا (٢).
وكان مجاهد يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. قال: من التخفيف من العذاب (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. قال: مِن تَخْفيفٍ (٣).
وهذا القولُ الذي ذكرناه عن مجاهدٍ قولٌ لا معنى له؛ لأن قول القائلين: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾. لمن قالوا له (٤) ذلك، إنما هو توبيخٌ منهم لهم (٤) على ما سلف قبل تلك الحال، يَدُلُّ على ذلك دخول "كان" في الكلام، ولو كان ذلك منهم توبيخًا لهم على قيلهم الذي قالوا لربِّهم: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾. لكان التوبيخُ بأن يقال: فما لكم علينا من فضل في تخفيف العذاب عنكم، وقد نالكم ما قد نالنا من العذاب. ولم يَقُلْ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾.