تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿مَا يَوَدُّ﴾: ما يُحِبُّ. أي: ليس يَوَدُّ (١) كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ. يقالُ منه: وَدَّ فلانٌ كذا، يَوَدُّ، وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا (٢) ومَودَّةً.
وأما "المشركون" فإنهم في موضعِ خَفْضٍ بالعطفِ على "أهلِ الكتابِ".
ومعنى الكلامِ: ما يَوَدُّ (٣) الذين كفروا من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين أن يُنَزَّلَ عليكم من خيرٍ من ربِّكم.
وأما "أنْ" في قولِه: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾ فنُصِب بقولِه: ﴿يَوَدُّ﴾. وقد دلَّلْنا على (٥) دخولِ "مِن" فى قولِه: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. وما أَشبهَ ذلك من الكلامِ الذي يكونُ في أولِه جَحْدٌ فيما مضَى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦).
فتأويلُ الكلامِ: ما يحبُّ الكافرون من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين باللهِ من عَبَدَةِ الأوثانِ، أن يُنَزِّلَ اللهُ (٤) عليكم شيئًا (٤) مِن الخيرِ الذي [هو عندَه. والخيرُ الذي كان] (٧) اللهُ يُنزِّلُه عليهم فتَمنَّى المشركون، وكَفَرةُ أهلِ الكتابِ ألَّا يُنَزِّلَه (٨) اللهُ عليهم -الفرقانُ وما أوحاه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ من حُكْمِه وآياتِه، وإنما أحبَّتِ
ص ٢/ ٣٨٧
اليهودُ وأتباعُهم مِن المشركين ذلك حسدًا وبَغْيًا منهم على المؤمنين.
وفى هذه الآيةِ دلالةٌ بَيِّنةٌ على أنَّ اللهَ ﵎ نَهَى المؤمنين عن الرُّكونِ إلى أعدائِهم من أهلِ الكتابِ والمشركين، والاستماعِ من قولِهم، وقَبولِ شيءٍ مما يَأتونهم (١) به على وجهِ النصيحةِ لهم منهم، بإطْلاعِه جلّ ثناؤُه إياهم على ما يَستبطِنُه لهم أهلُ الكتابِ والمشركون مِن الضِّغْنِ والحسدِ، وإن أظهَرُوا بألسنتِهم خلافَ ما هم [مُستبطِنوه لهم] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ واللَّهُ يختصُّ مَن يشاءُ لنبوَّتِه ورسالاتِه، فيُرسِلُه إلى من يشاءُ من خلقِه، ويتفضّلُ بالإيمانِ به (٣) على مَن أحبَّ فيَهْديه له. واختصاصُه إياهم بها، إفرادُهم (٤) بها دونَ غيرِهم من خلقِه. وإنما جعَل اللهُ رسالتَه إلى من أرسَل إليه من خلقِه، وهدايَتَه مَن هدَى من عبادِه رحمةً (٥) منه له؛ ليُصَيِّرَه بها إلى رضاه ومحبتِه، وفوزِه بها بالجنةِ، واستحقاقِه بها ثناءَه (٦)، وكلُّ ذلك رحمةٌ من اللهِ له.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ [جل ثناؤُه] (٧)

