Skip to content

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Printed page ٢/ ٢٩٢

ثم إن الدليلَ على أن التكرارَ في العشاء لم يكن عادةً له وإن كانت واقعة جزئية، ما ساقه أبو داود في باب تخفيف الصلاة، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «كان مُعَاذ رضي الله تعالى يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ ثم يَرْجعُ فَيَؤُمُّنَا». قال مرة: «ثم يَرْجِعُ فيصلِّي بقومه». وهذا هو عادته وعادة قومه، وليس فيه أنه كان يُصَلِّي بهم عينَ ما كان يصلِّيها مع النبيِّ ﷺ وبعد ذلك انتقل الراوي إلى بيان تلك الواقعة، فقال: «فأخَّر النبيُّ ﷺ الصلاةَ - وقال مرةً: العشاء - فصلَّى مُعَاذ ﵁ مع النبيِّ ﷺ الصلاةَ، ثم جاء يَؤُمُّ قومه، فقرأ البقرة» اهـ. وسياقه في المتفق عليه قال: «كان مُعَاذ بن جبل يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ ثم يأتي فَيَؤُمُّ قومه. فصلَّى ليلةً مع النبيِّ ﷺ العشاءَ، ثم أتى قومه فأمَّهم». اهـ.

فانظر هل أدَّاه بطريق الواقعة، أو على شاكلة العادة، ثم انظر إلى ألفاظ الرجل الذي انحرف عن صلاته هل جعله عادةً، أو واقعةً؟ قالا: «وإن مُعَاذًا صلَّى معك العشاء، ثم أتى قومه فافتتح بسورة البقرة». فهذا كان من أمر معاذ ﵁، إلا أنه لمَّا ذُكِرَت واقعة العشاء فيما بعد، سَرَى إليَّ الوَهَمُ أن ما ذُكّرَ قبله من عادته هو أيضًا في العشاء، مع أنه ذَكَرَ أولا عادته، ثم انتقل إلى بيان الواقعة. والوَهَم يَعْمَلُ العجائب، وقد قيل: إن الوَهَم خلاق.

فإِذا تحقَّقت أنه لم تكن هناك إلا واقعة، وعليها غَضِبَ النبيُّ ﷺ غضبًا لم يَغْضَبْ مثله، تحقَّقت أن لا دليل فيها للشافعية، وللحنفية مَسَاغٌ لأن يجعلوا مورد الغضب الأمرين أعني: إطالته، وإعادته. ثم إني تتبعت هذه الواقعة أنها متى كانت، فتبيَّن لي أنها كانت قُبَيْل بدر، وقد ذكرناها في تقرير الترمذي.

هذا وبقي بعدُ خبايا في زوايا الكلام، والعلم عند الله العلام.

٧٠١ - قوله: (وأمره بسورتين) فليحفظ هذا اللفظ، لأن فيه أنه أمره بهما فَيَدُلُّ على الوجوب كما قال الحنفية؛ والشافعية لم يختاروا وجوب السورة، وإليه يُشِيرُ قوله: «فلولا