فيض الباري على صحيح البخاري
واعلم أنه ذهب جماعة إلى إنكار النسخ في هذا الباب رأسًا، وأن الأمر الآن كما كان يُوهمه ما روي عن ابن عباس ﵁ عند الترمذي من قوله: «إنما الماء من الماء في الاحتلام»، وقد مر معنا تحقيقه في المقدمة وأنه ثبت فيه النسخ البتة، وأنه ينبغي أن يُؤَوَّلَ قول ابن عباس ﵁. وكذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان: «أن الرجل إذا جامع امرأته ولم يُمْنِ يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل ذكره». يُحْمَل على (أنه كان) قَبْلَ جمع عمر ﵁ إياهم وإجماعهم على وجوب الغُسْل بمجاوزة الخِتَانَين.
فقد أخرج الطحاوي أن أصحاب رسول الله ﷺ تذاكروا عند عمر بن الخطاب الغُسْلَ من الجنابة، فقال بعضهم: «إذا جاوز الخِتَان الختانَ فقد وَجَبَ الغُسْل»، وقال بعضهم: «إنما الماء من الماء»، فقال عمر ﵁: «قد اختلفتم عليَّ وأنتم أهل بدر الأخيار؟ فكيف بالناس بعدكم؟ فقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين إن أردتَ أن تَعْلَم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فسلهنَّ عن ذلك، فأرسل إلى عائشة ﵂، فقالت: إذا جاوز الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وَجَبَ الغُسْل، فقال عمر ﵁ عند ذلك: لا أسمعُ أحدًا يقول: الماء من الماء إلا جعلته نَكَالًا».
قال الطحاوي: فهذا عمر ﵁ قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ فلم يُنْكِر ذلك عليه مُنْكِر. قلت وهذا أصرح شيء. وأقواه في أن الأمر كما في حديث عائشة ﵂، وأن حديث: «الماء من الماء» منسوخ، ومع ذلك يتسلسل النقل عن عثمان أنه كان يختار حديث: «الماء من الماء» فالذي ينبغي أن نحمله عليه أنه كان قبل إجماع أهل الحَلِّ والعَقْد، وأما بعده فلا ينبغي تلك النسبة إليه كما وقع في «الفتح» ولذا عَدَّه الترمذي فيمن أوجبوا الغُسل بالمجاوزة. وأخرج الطحاوي أيضًا قال: اجتمع المهاجرون: أنه ما أوجبَ الحدَّ من الجلد والرَّجْم أوجبَ الغُسل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فعدَّ عثمان ﵁ أيضًا منهم (١).
وعبارة المصنَّف رحمه الله تعالى مع التكرار في الموضعين تُوهِم أنه ذهب إلى إيجاب الغُسل من الإنزال دون المجاوزة، ولذا أَلانَ في الكلام فقال مرة: الغُسْلُ أحوط، وأخرى: الماء أنقى، ويمكن أن يُؤَوَّل قوله: أنَّ الأحوط لا ينحصر في الاستحباب بل يُطْلَق على